عبد الرحمن ولد شعيب
  • الرئيسية
  • الصلاة
  • الطهارة
  • وقت الصلاة
  • الزكاة
  • الصوم
  • الحج
  • الجنائز
  • الفرائض
  • اتصل بنا
  • الأرشيف

كتاب الصوم

(الحلقة الثانية)

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله وهو الحق:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة البقرة، الآية: 185).

1 - معنى الصوم، وحكمه، وفضله، وثبوت الرؤية:

يطلق الصوم والصيام في اللغة على الإمساك: قال تعالى على لسان مريم ابنة عمران: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أي إمساكا عن الكلام؛ وفي الشرع كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، وبشرائط مخصوصة. أو هو كما قال القرطبي في تفسيره: إمساك عن الأكل، والشرب، والجماع؛ ما بين طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بنية التعبد لله تعالى.

فرض رمضان أَوَّلاً على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينا؛ ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وبقيت رخصة الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصوم.

وكان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة فنسخ ذلك -بفضل الله- وقال جل وعلا: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} (سورة البقرة، الآية: 187).

2 - حكمه:

ينقسم الصيام إلى: فرض وتطوع.

وصوم الفرض -الذي يهمنا- هو صوم رمضان، وصوم الكفارات: اليمين، الظهار، وصوم النذر.

أ - الصيام كفارة:

قال الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ، فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ ِبهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَاِمَلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (سورة البقرة، الآية: 196).

وقال جل ثناؤه: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (سورة النساء، الآية: 92).

وقال العليم الحكيم: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُّؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ َتْحِريرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَ حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة المائدة، الآية: 89).

قال السميع العليم: {يَاأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ َفَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزُ ذُو انتِقَامٍ} (سورة المائدة، الآية: 95).

وقال اللطيف الخبير: {وَالذيِنَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمًّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَّتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَّتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعاَمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة المجادلة، الآيتان: 3-4).

وروى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ».

* طالع في الحلقة القادمة: صوم رمضان

التفاصيل
نشر بتاريخ: 20 كانون2/يناير 2026
الزيارات: 0

صوم رمضان

(الحلقة الثالثة)

صوم رمضان واجب؛ بالكتاب، والسنة، والإجماع. وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة، الآية: 183). وقوله سبحانه وتعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (سورة البقرة، الآية: 185). وهو من شعائر الإسلام الخمس كما تقدم ذكره.

والمفطر عمدا في رمضان دون عذر شرعي يظن به الزندقة والضلال وهو أشر -كما قال الإمام البيهقي- من الزنا وشرب الخمر.

ـ فضله:

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ فَإِن سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللَّهِ مِن رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». وفي رواية لمسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلاَّ الصَّوْمَ فِإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».

وخص الله شهر رمضان بفضائل عظيمة؛ كتنزيل القرآن فيه، وجعل فيه ليلة القدر التي خصصت لها سورة كاملة، وهي ليلة خير من ألف شهر.

وروى البخاري ومسلم وابن خزيمة عن سهل ابن سعد أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ لِلْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ ذَلِكَ الْبَابُ». وزاد ابن خزيمة: «وَمَن دَخَل شَرِبَ وَمَن شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا». وأخرج الشيخان أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: «مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ».

 

بماذا تثبت رؤية الهلال:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال تراءى الناسُ الهلالَ فأخبرتُ رسولَ الله  صلى الله عليه وسلمأني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود، والحاكم، وابن حبان؛ وصححاه.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي  صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُواْ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُواْ عِدَّةَ شَعَبَانْ ثَلاَثِينَ يَوْمًا». رواه البخاري ومسلم.

البشارة بقدوم رمضان

وقد بُعِثَ رسول الله  صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ومما بشر به البشير النذير  صلى الله عليه وسلم أمته هذا الشهر المبارك؛ كما رواه أحمد والنسائي -واللفظ له- بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفٍ شَهْرٍ؛ مَّنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ».

 

* طالع في الحلقة القادمة: أركان الصوم، مبطلاته، مباحاته، مستحباته

التفاصيل
نشر بتاريخ: 20 كانون2/يناير 2026
الزيارات: 0

صفة صـوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحَجَّتِه من الكتاب والأحاديث الصحيحة

(الحلقة الأولى)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

يقول الله وهو الحق وقوله الحق: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (سورة الأحزاب، الآية: 21). ويقول في سورة الحشر (الآية: 7): {وَمَا ءاتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.

ويقول الله عز وجل في سورة آل عمران  (الآية: 163): { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.

والرسول صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا وَبَيَّنَ لنا أشد وأظهر البيان كلما هو خير لنا في دنيانا وآخرتنا وكل ما هو شر لنا في دنيانا وآخرتنا، وَأَبْرَزَ مِن بَيْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْبَيَانِ كُلَّمَا يَتَعَلَّقُ بما بُنِيَ عليه الإسلامُ، كما رواه عنه ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَنْ ّيُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ». قال رجل: الحج وصيام رمضان؟ فقال: لاَ، «صِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ» هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا لفظ الإمام مسلم رحمه الله.

وبعد كتابي "صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة وصفة وضوئه وصفة صلاته" فها أنا -بفضل الله وتوفيقه- أقدم للقراء الكرام: "صفة صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وصفة حجته".

وكصنيعي في كتاب "الصلاة" سألتزم بالصحيح من الحديث في هذا الكتاب؛ مؤكدا ذلك بتخريج جميع أحاديثه، ليسهل على القراء الكرام مراجعتها -عند الحاجة- في محلها المذكور، وهذا يعني جمعها من الشتات في نفائس المصنفات وهو ما يتطلب بحثا وجهدا مضنيا في كثير من الأحاديث. وحديث الخمس المبني الإسلام عليها -كما تقدم ذكره- جعل في الترتيب صيام رمضان قبل الحج.

وسأستوحي منه ترتيب الكتاب على النحو التالي:

1 - صفة صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان.

2 - صفة حجته صلى الله عليه وسلم.

وأرتب الكلام على صفة صومه صلى الله عليه وسلم بذكر المراحل التي مرت بها فريضة الصوم ثم الواقع العملي للصوم.

ولما كانت مصالح الصوم مشهودة بالعقول السليمة شرعها الله لعباده؛ رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وحِمْيَةً لهم وجُنَّةً.. وكان هدي رسول اللهصلى الله عليه وسلم في الصوم -وفي غيره- أكمل الهدْيِ وأعظم تحصيل للمقصود وأسهل على النفوس. وجميع ما صامه رسول اللهصلى الله عليه وسلم -بعد أن فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة- تسعة رمضانات. وفي تلك السنين الخيرة والمباركة والنيرة تعرف الصحابة -رضوان الله عليهم- بواسطة كتاب الله وقول رسولهصلى الله عليه وسلم وفعله على صفة صومه صلى الله عليه وسلموتعلموا أركان الصيام وآدابه ومستحباته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزموا ما عُلِّمُوا وعَلِمُوا ونقلوه بصدق وأمانة للخلف.

وسأبسط القول في هذا كله، إن شاء الله، في محله من القسم الأول من الكتاب.

والقسم الثاني من الكتاب -كما تقدم في الترتيب- يتناول صفة حجتهصلى الله عليه وسلم.

وهذه الحجة يقال لها: حجة الوداع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها ولم يحج بعدها. وسميت حجة الإسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج من المدينة غيرها. وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ؛ ورجح كثير من العلماء والحفاظ هذا القول. وسميت حجة البلاغ لأنه صلى الله عليه وسلم بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا؛ ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه أشد وأحسن وأظهر البيان. فلما أكمل هذا البيان بشعيرة الحج أنزل الله عز وجل عليه وهو واقف بعرفة يوم الجمعة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينًا} (سورة المائدة، الآية: 3).

وتفصيل هذه الحجة -الفريدة في البركة- سيأتي إن شاء الله في محله من هذا الكتاب.

التفاصيل
نشر بتاريخ: 15 كانون2/يناير 2026
الزيارات: 0

ما يبطل الصيام ولا يوجب الكفارة

(الحلقة الخامسة)

1- الأكل والشرب عمدا يوجب كل منهما القضاء بغير كفارة.

قلت: فالفطر بدون عذر شرعي يعرض صاحبه لغضب الجبار سبحانه وتعالى وعذاب النار وهو أشر كما قال الإمام البيهقي من الزنا وشرب الخمر.

واتفق الفقهاء جميعا على أن المفطر عمدا بغير عذر شرعي يجب عليه القضاء ولكنهم اختلفوا في وجوب الكفارة في حقه:

فذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في المشهور عنه إلى القول بوجوب الكفارة على كل ما كان هتكا للصوم إلا الردة.

وحكي عن عطاء، والحسن، والزهري وسفيان، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق: أن الفطر بالأكل والشرب يُوَجِّبُ ما يوجبه الجماع: يعني القضاء والكفارة.

وهو رواية عن أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ إلا أنه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به في وجوب الكفارة، وعليه فلو ابتلع غير ذلك فلا كفارة عليه.

وقال عبد الملك من المالكية : من أكل ناسيا أو شرب ثم أكل متعمدا في يومه ذلك فلا كفارة عليه فإن جامع عامدا في يومه ذلك كَفَّرَ. (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر، ص125).

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المفطر عمدا بالأكل والشرب لا يجب عليه إلا القضاء. والجمهور هم: الشافعية، والحنابلة وهو رواية عن مالك وأبي حنيفة وبه قال: سعيد ابن جبير، وابن سيرين، والنخعي، وداود، وحماد بن أبي سليمان.

وقال الجمهور: لا يوجد نص ولا إجماع على وجوب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب عمدا بغير عذر شرعي. وقالوا: أن القياس في العبادات باطل أصلا والواجبات لا تكون إلا بدليل شرعي.

وعلى هذا لا يصح قياس الأكل والشرب على الجماع لأن الحاجة إلى الزَّجْرِ عن الجماع أَمَسَّ والحكم في التعدي به أكَّدَ ويَفْسُدُ به الحج ـ أي الجماع ـ دون باقي محذوراته، وأوجبت الفدية في الجماع لأنه يفسد صوم اثنين.

وقول الجمهور بأن لا كفارة إلا في الجماع وحده هو الذي رجحته ـ باختصار ـ في الطبعة الأولى من هذا الكتاب وأنكره علي بعض المتعصبين لمذهبهم. وما توفيقي إلا بالله.

وأما الأكل والشرب ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم-كما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وباقي الجماعة؛ من طريق أبي هريرة-: «مَن نَّسِيَ وَهْوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا اللَّهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ». وعنه أيضا أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلاَ كَفَّارَةَ». رواه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم؛ وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح.

2- القيء عمدا:

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم؛ وصححه.

3- الحيض والنفاس: (وقد تقدم ذكرهما).

4- الاستمناء؛ مع فعل ما يوجبه.

5- تناول ما لا يُتَغَذَّى به من المنفذ المعتاد إلى الجوف، كابتلاع حجر وما أشبه ذلك.

6- من عقد العزم على الفطر وهو صائم بطل صومه -وإن لم يتناول مفطرا- لأن النية ركن من أركان الصيام كما تقدم ذكره.

 

ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة

الجماع -لا غير- هو الذي يوجب القضاء والكفارة معا؛ لما رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له؛ مع باقي الجماعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال-: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكتُ يا رسول الله. قال:«وَمَا أَهْلَكَكَ»؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ قال: لا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؟ قال: لا. قال: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قال: لا. قال: ثم جلس، فأُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».

 

* طالع في الحلقة القادمة:

قضاء رمضان

التفاصيل
نشر بتاريخ: 19 شباط/فبراير 2025
الزيارات: 0

قيام رمضان أو صلاة التراويح

(الحلقة الحادية عشرة)

المعنى: قال الحافظ ابن حجر في الفتح: التراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة.

ـ مشروعيتها: روى البخاري، ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة 

فصلي بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة -أو الرابعة- فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح قال: «قَدْ رَأَيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَن تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ». وهذا لفظ مسلم.

فلما لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار ربه، وكمل الدين، وانقطع الوحي، زالت الخشية من وجوبها، وبقيت مشروعية صلاتها جماعة قائمة؛ لزوال العلة؛ لأن العلة تدور مع المعلول وجودا أو عدما. فكان أول من جمع الناس على قارئ واحد الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه -كما رواه البخاري، ومالك، وعبد الرزاق- عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعمت البدعة هذه؛ والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. وكان الناس يقومون أوله.

عدد ركعاتها: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. والحديث رواه البخاري، ومسلم، وأبو عوانة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ومالك؛ وعنه البيهقي، وأحمد.

ـ روى مالك في الموطإ بسند صحيح من طريق محمد ابن يوسف؛ وعنه أبو بكر النيسابوري في "الفوائد" والفريابي، والبيهقي في سننه الكبرى، عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين (يعني بمئات الآيات) حتى كنا نعتمد على العصا من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر.

وقد تابع مالكا على الإحدى عشرة ركعة يحي ابن سعيد القطان عند ابن أبي شيبة "في المصنف" ومحمد بن إسحاق عند النيسابوري، وإسماعيل بن جعفر المدني عند ابن خزيمة، كلهم قالوا عن محمد بن يوسف به إلا ابن إسحاق فإنه قال ثلاث عشرة ركعة.

قلت: وهذا العدد -ثلاث عشرة- الذي تفرد به ابن إسحاق منه ركعتا الفجر؛ كما في رواية لابن أبي شيبة، ومسلم، عن عائشة؛ قالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل، منها ركعتا الفجر. لكن جاء في رواية أخرى عند مالك -وعنه البخاري- أنها قالت: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين. وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين بقوله: فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء؛ لكونه صلى الله عليه وسلم كان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل. وقد ثبت عند مسلم أنها قالت إنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين. والله أعلم.

ـ وأما ما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" وعبد بن حميد في "المنتخب" من "المسند" والطبراني في "المعجم الكبير" وفي "الأوسط" وابن عدي في "الكامل" والخطيب في "الموضح" والبيهقي في "سننه" كلهم من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر؛ فلا يلتفت إليه، كما نوضحه فيما يلي.

قلت: وحديث ابن عباس هذا ضعيف جدا؛ كما قال السيوطي في "الحاوي للفتاوي" وعلته أن فيه أبا شيبة إبراهيم بن عثمان؛ قال فيه الحافظ في "التقريب" متروك الحديث. وقال فيه البيهقي: تفرد به أبو شيبة وهو ضعيف وكذا قال الهيثمي "في الْمَجْمَعِ" إنه ضعيف. وقال فيه ابن معين: ليس بثقة، وقال الجُوزجاني: ساقط. وقال البخاري فيه: سكتوا عنه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في اختصار "علوم الحديث" أن من يقول البخاري فيه: "سكتوا عنه" يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده. وأورده الحافظ الذهبي من مناكير هذا الراوي. وقال الفقيه ابن حجر الهيثمي في "الفتاوي الكبرى" إنه يروي الموضوعات.

وهذا الحديث -مع شدة ضعفه- يعارض حديث عائشة وجابر الذي رواه البخاري ومسلم؛ كما قال الحافظان: الزيلعي والعسقلاني.

خلاصة البحث: نظرا لما قدمنا واعتمادا عليه، أقول -وما توفيقي إلا بالله-: إن رواية إحدى وعشرين ركعة منكرة، ولا يحتج بها. والله أعلم.

* طالع في الحلقة القادمة: 

زكاة الفطر

 

 

التفاصيل
نشر بتاريخ: 18 شباط/فبراير 2025
الزيارات: 0

الصفحة 3 من 3

  • 1
  • 2
  • 3

الطهارة

  • صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما نقله عمرو بن عثمان

  • صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

  • أقسام ما يتطهر به من الماء

مؤلفات الشيخ

الصلاة

قضاء الفوائت

اِقرأ المزيد...

قضاء المسبوق

اِقرأ المزيد...

(الحلقة التاسعة عشرة/ الأخيرة)

الزكاة

الأصناف الذين لا تصرف لهم الزكاة

أصناف زكاة الفطر

قضاء الدين من المال قبل إخراج الزكاة منه

الحج

التوجه إلى منى محرمين اليوم الثامن

الأمر بفسخ الحج إلى العمرة

الوقوف على الصفا والمروة

جميع الحقوق محفوظة © 2026 عبد الرحمن ولد شعيب