التوجه إلى منى محرمين اليوم الثامن
(الحلقة الخامسة)
15 - قال جابر: فلما كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر -كما رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، وأحمد- توجهوا إلى منى. فأهلوا بالحج من البطحاء كما رواه البخاري، ومسلم، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد.
قلت: وكان ذلك يوم الخميس ضحى.
16 - قال جابر: ثم دخل رسول صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها فوجدها
تبكي: فقال «مَا شَأْنُكِ؟» قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ ثُمَّ حُجِّي وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَن لاَّ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلاَ تُصَلِّي». أخرجه أحمد، وأبو داود. ففعلت؛ كما رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد. وفي رواية عند الأخير: فنسكت المناسك كلها؛ غير أنها لم تطف بالبيت.
17 - فلما وصل إلى منى نزل بها، وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجرَ. ومبيته بها كان ليلة الجمعة. فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفة وأخذ على طريق الضَّبِّ، وكان من أصحابه -كما رواه البخاري ومسلم- الملبي، ومنهم المكبر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء.
وأمر -كما رواه أبو داود، وابن الجارود، والبيهقي- بقبة له من شعر تضرب له بِنَمِرَةَ.
*طالع في الحلقة القادمة:
التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة
- التفاصيل
- الزيارات: 0
الأمر بفسخ الحج إلى العمرة
(الحلقة الرابعة)
13 - حتى إذا كان آخر طوافه صلى الله عليه وسلم -وفي رواية عند ابن الجارود، وأحمد كان السابع- علا المروةَ فقال: -كما رواه مسلم، وأحمد-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً؛ فَمَن كَانَ مِنكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً». وفي رواية للبخاري ومسلم: فقال: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا وَأَقِيمُوا حَلاَلاً حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَاجْعَلُوا التِي قَدِمْتُم بِهَا عُمْرَةً». فقام سراقةُ بنُ مالك بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله ألِعَامِنَا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال:
«دخلت العمرة في الحج (مرتين) لا؛ بل لأبد أبد». وهذا لفظ مسلم.
14 - قال جابر: فأمرنا إذا حللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدي -كما رواه مسلم، وأحمد، والطيالسي- وفي لفظ عند أحمد والطيالسي: كل سبعة منا في بَدَنَةٍ. وزاد مالك في الموطإ والبيهقيُّ: «فَمَن لَّمْ يَكُن مَّعَهُ هَدْيٌ فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ».
قال جابر -كما رواه مسلم، وابن ماجه، والطحاوي، والبيهقي-: فحل الناس كلهم وقصروا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي.
وروى البخاري ومسلم -واللفظ لمسلم- عن حفصة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: «إِنِّي قَلَّدتُّ هَدْيِي وَلَبَّدتُّ رَأْسِي فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ».
وكان صلى الله عليه وسلم يصلي مدة مقامه بمكة إلى يوم التروية في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين بأعلى مكة، عند الحَجُونِ، وهو مهل بالحج؛ وهذا لأربع ليال خلون من ذي الحجة، كما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس.
قلت: وعلى هذا تكون مدة مقامه صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الخروج إلى منى -ثم إلى عرفة- أربعة أيام؛ لأنه قدم في الرابع وخرج في الثامن. والأيام هي:
ـ الأحد، والاثنان، والثلاثاء، والأربعاء.
* طالع في الحلقة القادمة:
التوجه إلى منى محرمين
- التفاصيل
- الزيارات: 0
الوقوف على الصفا والمروة
(الحلقة الثالثة)
10 - ثم خرج إلى الصفا من الباب -وفي رواية: باب الصفا- كما رواه الطبراني في الصغير.
فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} (سورة البقرة، الآية: 158).
وقال: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» وفي رواية: «نَبْدَأُ» كما رواه مالك، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، والدارمي، وابن الجارود، والبيهقي، وأحمد، والطبراني في الصغير.
وفي رواية عند النسائي، والدارقطني؛ بسند رجاله ثقات -وصححه ابن حزم والنووي-: "ابْدَؤُوا" بصيغة الأمر. وهذه الرواية شاذة كما أشار إليه العلامة ابن دقيق العيد في كتابه "الإلمام".
11 - ثم رَقِيَ عليه حتى رأى البيت، فاستقبله، فوحد الله، وكبره ثلاثا، كما رواه النسائي، والبيهقي، وأحمد، وحمده، كما رواه النسائي، وابن ماجه، وقال: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ؛ يُحْيِي وَيُمِيتُ» وزاد أبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه، والبيهقي: «وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». وعند ابن ماجه: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثم دعا بين ذلك، وقال: مثل هذا ثلاث مرات.
12 - ثم نزل إلى المروة ماشيا -كما عند النسائي- حتى إذا انصَبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى ـ وذلك اليوم قبل الميلين الأخضرين في أول المسعى وآخره ـ حتى أتى المروة فَرَقِيَ عليها حتى نظر إلى البيت؛ كما رواه النسائي، وأحمد.
وظاهر هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان ماشيا؛ مع أن الإمام مسلما روى من حديث جابر بن عبد الله: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة، ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس قد غَشُوهُ. (والحديث تقدم ذكره).
والجمع بين هذه الأحاديث، كما قلت آنفا: أنه صلى الله عليه وسلم سعى أوَّلاً ماشيا، ثم أتم سعيه راكبا.
* طالع في الحلقة القادمة:
الأمر بفسخ الحج إلى العمرة
- التفاصيل
- الزيارات: 0
دخول مكة والطواف
(الحلقة الثانية)
1 - قال جابر -كما رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي، والطيالسي، وابن سعد، والبيهقي، وأحمد-: حتى إذا أتينا البيت معه صبح رابعة مضت من ذي الحجة؛ وفي رواية: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى.
2 - فأتى النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد؛ كما رواه ابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي.
3 - استلم الركن -وفي رواية: الحجر الأسود- كما رواه أحمد، وابن الجارود.
قلت: واستلم الركن اليماني -أيضا- في هذا الطواف -كما في حديث ابن عمر- ولم يُقَبِّلْهُ؛ وإنما قبل الحجر الأسود وذلك في كل طواف. والسنة في الحجر الأسود تقبيله؛ فإن لم يتيسر استلمه بيده وقَبَّلَهَا، وإلا استلمه بنحو عصا وقبلها، وإلا أشار إليه. والأركان الثلاثة الباقية لا يستلم منها إلا الركن اليماني من غير تقبيل.
ويسن التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة كما رواه البخاري عن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر.
وروى البيهقي موقوفا بسند صحيح أن ابن عمر كان إذا استلم الحجر قال: باسم الله والله أكبر.
4 - قال جابر -كما رواه مسلم، والنسائي، وابن الجارود، والبيهقي-: ثم مضى عن يمينه.
5 - فَرَمَلَ حتى عاد إليه -كما رواه أحمد- وروى الطحاوي: ثلاثا، ومشى أربعا على هيئته.
وفي الثلاثة الأُوَلِ من طوافه هذا: كان يسرع في مشيه ويقارب بين خطاه واضْطَبَعَ بردائه فجعل طرفيه على أحد كتفيه وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، أو استلمه بِمِحْجَنِهِ وَقَبَّلَ المحجن.
قلت: المحجن عصا محنية الرأس.
ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الطواف من الدعاء إلا ما رواه الشافعي، وأحمد، وأبو داود، وعبد الرزاق في "المصنف" أنه كان يقول بين الركنين اليمانيين: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».
وروى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإن الناسَ قد غَشُوهُ.
والجمع بين أحاديث السعي ماشيا وراكبا هو -كما قال ابن قيم الجوزية- أنه سعى ماشيا أَوَّلاً، ثم أتم سعيه راكبا.
قلت: ويشهد لهذا القول ما رواه مسلم عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: صدقوا وكذبوا. قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُضْرَبُ الناسُ بين يديه. قال: فلما كثر الناس عليه ركب. والمشي والسعي أفضل.
وأخرج البغوي في "شرح السنة" والبيهقي بسند صحيح من حديث ابن قدامة بن عبد الله بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك!! ومعنى إليك إليك: أي تَنَحَّ، وزاد الطَّيِّبُ فقال: أي ما كانوا يضربون الناس ولا يطردونهم ولا يقولون تنحوا عن الطريق كما هو عادة حراس الملوك والجبابرة في زمننا هذا.
6 - فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ ورفع صوته يُسْمِعُ الناسَ -كما رواه النسائي-: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (سورة البقرة، الآية: 125).
7 - فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين -كما رواه أحمد، والبيهقي- فكان يقرأ بعد الفاتحة -كما رواه النسائي والترمذي-: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}. وفي رواية: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
8 - ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه كما رواه أحمد.
9 - ثم رجع إلى الركن فاستلمه.
*طالع في الحلقة القادمة:
الوقوف على الصفا والمروة
- التفاصيل
- الزيارات: 0
صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
(الحلقة الأولى)
1 - خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج:
لما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج أَعْلَمَ الناسَ أنه حاج هذا العام؛ كما أخرجه النسائي، وابن الجارود، وأحمد. فقدم المدينة بشر كثير.
وفي رواية: فلم يبق أحد -كما رواه النسائي، والدارمي- يقدر أن يأتي؛ راكبا أو راجلا إلا قدم، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله. ووافاه في الطريق خلائق لا يُحْصَوْنَ، فكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، مد البصر؛ كما رواه أبو داود، والدارمي، وابن ماجه، وابن الجارود.
وخطب الناس في المسجد النبوي -كما أخرجه البخاري، ومسلم، عن ابن عمر- وفي رواية لأحمد: على هذا المنبر. وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم في كل وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، وهو صلى الله عليه وسلم أحْرَصُ الناس على تعليمهم الدينَ وذكر لهم شأن الإحرام وما يلبس المحرم بالمدينة ولم ينه عن شيء من الأُزُرِ والأَرْدِيَةِ أن يُلْبَسَ إلا المزعفر؛ كما قال ابن عباس عند البخاري. وحدد المواقيت كما عند البخاري عن ابن عمر، ومن طريق جابر رضي الله عنه. روى تحديد مواقيت الإحرام مسلم، وأبو نعيم في "المستخرج" وابن ماجه، والشافعي في "مسنده" والطيالسي، والبيهقي، وأحمد.
وخرج من المدينة نهارا بعد أن صلى بهم الظهر أربعا، لخمس بقين من ذي القعدة -أو أربع- كما رواه النسائي، وابن الجارود، والبيهقي.
قال جابر -كما رواه مسلم، وأبو نعيم-: خرجنا معه؛ معنا النساء، والولدان. فلما أتوا ذا الحليفة -كما رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه- ولدت أسماء بنت عميس -زوجةُ أبي بكر رضي الله عنهما- محمدَ بن أبي بكر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل، وتستـثـفر بثوب، وتحرم، وتهل. وقال ابن الأثير في النهاية إن معنى: "تستـثـفر" هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيلان الدم.
قلت: ومما يؤخذ من قصة هذه الصحابية رضي الله عنها:
أ. الغسل للإحرام، وأن الحائض تغتسل لإحرامها، وأن الإحرام يصح من الحائض.
ب. مشروعية ما تفعله الحِيَّضُ في زماننا هذا من مكافحة سيلان الدم بالوسائل العصرية كـ"الريب" وما يشبهه. ثم ترجل صلى الله عليه وسلم وادَّهَنَ، ولبس إزارهَ، ورداءهَ، هو وأصحابه، كما رواه البخاري عن ابن عباس، فنزل بذي الحليفة، فصلى به العصر ركعتين ثم بات به كما أخرجه البخاري عن أنس، وصلى به المغرب، والعشاء، والصبح، والظهر، كما رواه النسائي عن أنس بسند رجاله ثـقات. وكان نساؤه أمهات المؤمنين كلهن معه. وطاف عليهن تلك الليلة كما رواه البخاري ومسلم عن عائشة. فلما أراد الإحرام اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه غير غسل الجنابة الأول.
قلت: ويؤيد هذا ما أخرجه الترمذي -وحسنه- والدارمي، والبيهقي، أن زيد بن ثابت قال (…) إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل. وأخرج الدارقطني، بسند رجاله ثقات، أن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بِخَطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ. ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطِيبٍ فيه مسكٌ في بدنه ورأسه، حتى كان وبيص المسك يرى في مفارقه ولحيته كما رواه البخاري، ومسلم، عن عائشة. ثم استدامه ولم يغسله للإحرام، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أَهَلَّ بالحج والعمرة في مصلاه، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. وفي رواية، ثم ركب القصواء -اسم ناقته صلى الله عليه وسلم- حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالحج، وفي رواية أفرد الحج كما رواه ابن ماجه وابن سعد وزاد ابن ماجه: هو وأصحابه. وفي رواية للبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة.
قلت: والذي قاله عبد الله بن عمر -عند مسلم- من الصلاة يعني سنة الظهر لا الإحرام.
وَخَيَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة، ثم ندبهم عند دُنُوِّهِمْ من مكة إلى فسخ الحج والقِران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، ثم حتّم ذلك عليهم عند المروة؛ فروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا مكة تَطَوَّفْنَا بالبيت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه (صلى الله عليه وسلم) لم يسقن الهدي فأحللن.
والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قارنا: وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج.
ـ وروى البخاري أيضا في صحيحه عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِّن رَّبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ». وبعد أن استوت به ناقته القصواء على البيداء، ـ كما ذكرت آنفا ـ أهل بالتوحيد الذي أخرجه مالك في "الموطإ" والبخاري، ومسلم، عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ».
قلت: التلبية هي إجابة دعوة الله تعالى لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم عليه السلام. والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بِلَبَّتِهِ.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إن المعنى: أنا مجيب لدعوتك ومستسلم لحكمك، مطيع لأمرك، مرة بعد مرة، لا أزال على ذلك.
والناس معه صلى الله عليه وسلم يزيدون في التلبية وينقصون، وهو يقرهم ولا ينكر عليهم.
وقال مالك والشافعي -رحمهما الله- إن الاكتفاء بتلبيته صلى الله عليه وسلم أفضل؛ لملازمته صلى الله عليه وسلم لها.
والناس كانوا يزيدون -كما رواه أحمد، والبيهقي، بسند صحيح؛ من حديث جابر بن عبد الله-: لبيك ذا المعراج، لبيك ذا الفواضل.
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالأبواء -كما رواه البخاري، ومسلم، ومالك- أهدى له الصعب بن جَثَّامَةَ حمارا وحشيا -وفي لفظ لمسلم: لحم حمار وحشي- فرده عليه وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ».
فلما كان بِسَرِف -كما رواه البخاري، ومسلم- حاضت عائشة رضي الله عنها، وقد كانت أَهَلَّتْ بعمرة، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، قال: «مَا يُبْكِيكِ لَعَلَّكِ نُفِسْتِ»؟ قالت: نعم، قال: «هَذَا شَيْءٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَن لاَّ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ».
قلت: سرف: موضع قرب التنعيم كما في النهاية.
ـ واختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة هذه، وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة، فحاضت، ولم يمكنها الطواف قبل التَّعَرُّفِ -أي قبل أن تطهر- فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفردا؟ وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه. أم عليها أن تُدْخِلَ الحجَّ على العمرة وتصير قارنة؟ وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد؛ وهو مذهب أهل الحديث.
* طالع في الحلقة القادمة:
دخول مكة والطواف
- التفاصيل
- الزيارات: 0