أحكام الفطر والسحور
(الحلقة الثامنة)
تعجيل الفطر:
أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَّا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان بسند صحيح بلفظ: «لاَ تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ». وفي رواية «لاَ تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ (أَوْ لاَ تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ) مَّا عَجَّلُوا الْفِطْرَ». وأخرج أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، وأبن خزيمة، وصححه؛ وابن حبان، عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَّا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ؛ إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ».
السحور:
فرض الله علينا الصيام كما كتبه على الذين من قبلنا من أهل الكتاب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} (سورة البقرة، الآيتان: 183-184).
وكان الوقت والحكم على وفق ما كتب على أهل الكتاب أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم؛ أي إذا نام أحدهم لم يطعم حتى الليلة القابلة وكتب ذلك على المسلمين من بداية التشريع ولما نسخ ذلك، رحمة وتخفيفا من الرحمن الرحيم على عباده، أمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بالسحور تفريقا بين صومنا وصوم أهل الكتاب.
فروى مسلم، والترمذي، والنسائي، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ».
السحور سنة:
عن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَلاَ تَدَعُوهَا» رواه النسائي، وصححه الإمام الألباني رحمه الله، ورواه أحمد بسند صحيح.
وأفضله التمر؛ لما رواه -بسند صحيح- أبو داود، وابن حبان، والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نِعْمَ سُحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ».
السحور بالسويق والتمر:
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذلك عند السحور-: «يَا أَنَسُ إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ؛ أَطْعِمْنِي شَيْئًا» فأتيته بتمر وإناء فيه ماء -وذلك بعد ما أذَّنَ بلال- فقال: «يَا أَنَسُ انظُر رَّجُلاً يَأْكُلُ مَعِي» فدعوت زيد بن ثابت فجاء فقال: إني قد شربت شربة سويق وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» فتسحر معه ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة. رواه النسائي، وصحح الإمام الألباني إسناده، في تعليقه على سنن النسائي.
وروى: البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً».
يستحب تأخير السحور:
لما رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أنس رضي الله عنه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: تَسَحَّرْنَا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، فقلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.
وقال الحافظ في الفتح (138/4) وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقولهم: قدر حلب شاة فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة.
* طالع في الحلقة القادمة: أحكام الاعتكاف
- التفاصيل
- الزيارات: 0
رمضان شهر القرآن، شهر هداية ورحمة
(الحلقة السابعة)
قال الله وهو الحق وقوله الحق: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (سورة البقرة، الآية: 185).
إن وصف شهر رمضان بأنه أنزل فيه القرآن وبناء ما بعده عليه بحرف "الفاء" التي تفيد التعليل والسببية {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} يفيد -بطريق الإيماء إلى العلة- أن سبب اختيار رمضان ليكون شهر الصوم هو إنزال القرآن فيه.
وقد نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا -وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما- ثم نزل منجما -مفرقا- على قلب رسول اللهصلى الله عليه وسلم حسب الوقائع والأحداث. وبشأن النزول الأول يقول الله جل وعلا: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (سورة القدر، الآية: 1). {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} (سورة الدخان، الآية: 3). {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (سورة البقرة، الآية: 185).
وليلة القدر هي الليلة المباركة من شهر رمضان. وعني بالتَّـنَزُّلِ الثاني قوله سبحانه: {وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (سورة الإسراء، الآية: 106).
وقد كانت الكتب السماوية تنزل على الأنبياء والمرسلين -عليهم جميعا صلوات الله وسلامه- جملة واحدة؛ فجعل الله التنزيلين للقرآن الكريم. والقرآن هو كلام الله تعالى أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وَتَعَبَّدَنَا بتلاوته، وَتَدَبُّرِهِ، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فعن عثمان ابن عفان رضي الله عنه -كما رواه البخاري في صحيحه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُم مَّن تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». وعن عائشة رضي الله عنها قالت: -كما رواه البخاري، ومسلم- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ يَتَتَعْتَعُ فِيهِ -وَهْوَ عَلَيْهُ شَاقٌّ لُهُ أَجْرَانِ». وروى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي عنه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ بِهَذَا الكتاب أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». وروى مسلم أيضا عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُنفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ».
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس جميعا قراءة للقرآن وكان هو خلقه.
وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القرآن.
وروى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها -يقرأ تَرَسُّلاً- إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل…
وقد أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن على الإطلاق وتنزيهه وصيانته وأجمعوا على أن من جحد منه حرفا مما أجمع عليه أو زاد حرفا لم يُقْرَأْ به -وهو عالم بذلك- فهو كافر.
وعلى المسلمين أن يسعوا في تحكيم هذا القرآن؛ في حياتهم الخاصة والعامة، وأخلاقهم، وفي سياستهم، واقتصادهم، واجتماعهم، وحربهم، وسلمهم…
فالقرآن لم ينزل لعمل "الأحجبة" ولا بضاعة للموتى ولكن {لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
وروى الترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأحمد؛ وصححه الإمام الألباني رحمه الله، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا كَانَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِّن شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ؛ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ؛ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
وروى: البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ (وفي رواية لمسلم: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ) وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».
وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ». ومعنى إيمانا واحتسابا: أي تصديقا بفرضيته ورغبة في ثوابه، طَيِّبَةً به نفسُهُ.
ونعمة الصوم من أعظم نعم الله -التي لا تحصى- على عباده واستوجبت مزيدا من العمل شكرا لله. ويشهد لهذا قول الله تعالى في سورة البقرة: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}.
ومن رحمة ربنا الرحمن بنا جعل مقدار الصوم أياما معدودات؛ قال ربنا تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} (سورة البقرة، الآيتان: 183-184).
وهذه الكلمة "أياما معدودات" تشعر بسرعة الانقضاء وقرب الرحيل.
وعلى المسلم أن يجعل هذه الأيام المعدودة أيام صلاة، وصيام، وقيام، وصدقة، وتلاوة للقرآن؛ وأن يجتهد فيها أكثر مما يجتهد في غيرها؛ وخاصة في العشر الأواخر كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله -كما رواه البخاري، ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت-: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشرُ شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. وقولها: شد مئزره: أي اعتزل النساء من أجل العبادة، وشمر في طلبها وجد في تطلبها.
وروى الإمام مسلم من طريقها أيضا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها.
وعلى المسلم أن يتصدق في هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن أكثر مما كان يتصدق في غيره كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وابن سعد، وأبو الشيخ، والبغوي-: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير؛ وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتى ينسلخ، فيأتيه جبريل فَيَعْرِضُ عليه القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.
ومن المرغب فيه من الصدقات في هذا الشهر إطعام الصائم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما رواه أحمد، والترمذي؛ وصححه؛ وابن ماجه، وابن حبان-: «مَن فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ».
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما رواه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، والترمذي، بسند صحيح- عن أنس ابن مالك رضي الله عنه؛ قال: كان صلى الله عليه وسلم يفطر -قبل أن يصلي- على رطبات، فإن لم تكن رطباتٌ فتميراتٌ فإن لم تكن تميراتٌ حسا حَسَوَاتٍ من ماء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر -كما رواه أبو داود، والبيهقي، والحاكم، وابن السني، والنسائي في عمل "اليوم والليلة" والدارقطني؛ وقال إسناده حسن- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِن شَاءَ اللَّهُ».
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكرم -وهذا من عظمة خلقه وتواضعه صلى الله عليه وسلم - أحد صحابته رضي الله عنهم بالإفطار عنده دعا له، كما رواه مسلم عن المقداد؛ قال: قال صلى الله عليه وسلم : «اللَّهُمَّ أَطْعِم مَّنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَن سَقَانِي» وكان صلى الله عليه وسلم يقول أيضا كما رواه مسلم عن عبد الله بن بُسْرِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ وَبَارِكْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ».
* طالع في الحلقة القادمة: أحكام الفطر والتسحر
- التفاصيل
- الزيارات: 0
قضاء رمضان
(الحلقة السادسة)
القضاء لا يجب على الفور لما رواه: أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شهر شعبان.
والقضاء يكون بعدد الأيام التي أفطر لقول الله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (سورة البقرة، الآية: 185).
ومن تمام اليسر جواز تأخير القضاء لمن شاء وإن كان الأولى المبادرة بالقضاء.
ومن مات وهو مفرط في قضاء ما عليه من الصوم صام وليه عنه، فإن لم يُرِدِ الصومَ عنه أطعم مِن تركته عن كل يوم مسكينا. وقال البخاري: وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز.
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر:
التيسير والتخفيف سمة أصيلة في دين الله؛ وهي واضحة في الصيام وفي سائر العبادات والتكليفات؛ وفي ذلك يقول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة البقرة، الآية: 185).
وواضح من عموم لفظ هذه الآية الكريمة أن هذا التيسير في جميع أمور الدين؛ وقد بين سبحانه أنه رخص لنا في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بنا اليسر بفضله وكرمه وإنما أمرنا بالقضاء لنكمل عدة شهرنا.
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة أحاديث تدل على شفقته التامة على أمته، وخشيته أن يكون قد جلب عليها ما يُعْنِتُها أو يشق عليها، وتجنبه صلى الله عليه وسلم كل طريق يؤدي إلى ذلك.
ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قاله لعبد الله بن عمرٍو لما أُخْبِرَ أنه يصوم النهار ويقوم الليل: «فَلاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وُنَمْ وَقُمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».
* طالع في الحلقة القادمة: رمضان شهر القرآن، شهر هداية ورحمة
- التفاصيل
- الزيارات: 0
ما يبطل الصيام ولا يوجب الكفارة
(الحلقة الخامسة)
1- الأكل والشرب عمدا يوجب كل منهما القضاء بغير كفارة.
قلت: فالفطر بدون عذر شرعي يعرض صاحبه لغضب الجبار سبحانه وتعالى وعذاب النار وهو أشر كما قال الإمام البيهقي من الزنا وشرب الخمر.
واتفق الفقهاء جميعا على أن المفطر عمدا بغير عذر شرعي يجب عليه القضاء ولكنهم اختلفوا في وجوب الكفارة في حقه:
فذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في المشهور عنه إلى القول بوجوب الكفارة على كل ما كان هتكا للصوم إلا الردة.
وحكي عن عطاء، والحسن، والزهري وسفيان، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق: أن الفطر بالأكل والشرب يُوَجِّبُ ما يوجبه الجماع: يعني القضاء والكفارة.
وهو رواية عن أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ إلا أنه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به في وجوب الكفارة، وعليه فلو ابتلع غير ذلك فلا كفارة عليه.
وقال عبد الملك من المالكية : من أكل ناسيا أو شرب ثم أكل متعمدا في يومه ذلك فلا كفارة عليه فإن جامع عامدا في يومه ذلك كَفَّرَ. (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر، ص125).
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المفطر عمدا بالأكل والشرب لا يجب عليه إلا القضاء. والجمهور هم: الشافعية، والحنابلة وهو رواية عن مالك وأبي حنيفة وبه قال: سعيد ابن جبير، وابن سيرين، والنخعي، وداود، وحماد بن أبي سليمان.
وقال الجمهور: لا يوجد نص ولا إجماع على وجوب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب عمدا بغير عذر شرعي. وقالوا: أن القياس في العبادات باطل أصلا والواجبات لا تكون إلا بدليل شرعي.
وعلى هذا لا يصح قياس الأكل والشرب على الجماع لأن الحاجة إلى الزَّجْرِ عن الجماع أَمَسَّ والحكم في التعدي به أكَّدَ ويَفْسُدُ به الحج ـ أي الجماع ـ دون باقي محذوراته، وأوجبت الفدية في الجماع لأنه يفسد صوم اثنين.
وقول الجمهور بأن لا كفارة إلا في الجماع وحده هو الذي رجحته ـ باختصار ـ في الطبعة الأولى من هذا الكتاب وأنكره علي بعض المتعصبين لمذهبهم. وما توفيقي إلا بالله.
وأما الأكل والشرب ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم-كما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وباقي الجماعة؛ من طريق أبي هريرة-: «مَن نَّسِيَ وَهْوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا اللَّهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ». وعنه أيضا أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلاَ كَفَّارَةَ». رواه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم؛ وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح.
2- القيء عمدا:
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم؛ وصححه.
3- الحيض والنفاس: (وقد تقدم ذكرهما).
4- الاستمناء؛ مع فعل ما يوجبه.
5- تناول ما لا يُتَغَذَّى به من المنفذ المعتاد إلى الجوف، كابتلاع حجر وما أشبه ذلك.
6- من عقد العزم على الفطر وهو صائم بطل صومه -وإن لم يتناول مفطرا- لأن النية ركن من أركان الصيام كما تقدم ذكره.
ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة
الجماع -لا غير- هو الذي يوجب القضاء والكفارة معا؛ لما رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له؛ مع باقي الجماعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال-: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكتُ يا رسول الله. قال:«وَمَا أَهْلَكَكَ»؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ قال: لا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؟ قال: لا. قال: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قال: لا. قال: ثم جلس، فأُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
* طالع في الحلقة القادمة: قضاء رمضان
- التفاصيل
- الزيارات: 0
أركان الصوم، مبطلاته، مباحاته، مستحباته
(الحلقة الرابعة)
ـ للصيام ركنان:
1 - الإمساك عن المفطرات: الأكل، والشرب، والجماع.
وذلك من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس لقوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصّيَامَ إِلَى اليْلِ} (سورة البقرة، الآية: 187).
والخيط الأبيض هو بياض النهار، والخيط الأسود هو سواد الليل.
2 - النية:
لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (سورة البينة، الآية: 5).
وقوله r -كما رواه البخاري في صحيحه-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَّا نَوَى…».
ولا بد أن تكون النية قبل الفجر؛ ومحلها القلب، قال r -كما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، بإسناد صحيح؛ من حديث حفصة رضي الله عنها-: «مَن لَّمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ».
على من يجب الصيام؟
أجمع العلماء على أن الصيام يجب على المسلم، العاقل، البالغ، الصحيح، المقيم؛ ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنفاس.
من يرخص له في الفطر مع القضاء؟
المسافر والمريض:
لقول الله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (سورة البقرة، الآية: 185). ولقول رسول الله -كما رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، بإسناد جيد-: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشِطْرَ الصَّلاَةِ وَعَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ الصَّومَ».وفي رواية للنسائي: «وَرَخَّصَ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ».
والحبلى والمرضع تطعمان ولا تقضيان؛ لما رواه الطبراني أن ابن عباس رأى أم ولد له حاملا -أو مرضعا- فقال: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه؛ عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكينا ولا قضاء عليك.
ورواه الدارقطني بمعناه وصحح إسناده.
من يجب عليه الفطر والقضاء معا؟
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
والمرأة إذا حاضت وهي صائمة -ولو قبل الغروب بلحظة- بطل صوم يومها ولزمها قضاؤه إن كان من الصوم الواجب. وإذا طهرت في أثناء نهار رمضان لم يصح صومها بقية اليوم. وإذا طهرت قبل الفجر -ولو بلحظة- وجب عليها الصوم؛ وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر. والنفساء كالحائض في جميع ما ذكرت.
* طالع في الحلقة القادمة: ما يبطل الصيام ولا يوجب الكفارة.
- التفاصيل
- الزيارات: 0