عبد الرحمن ولد شعيب
  • الرئيسية
  • الصلاة
  • الطهارة
  • وقت الصلاة
  • الزكاة
  • الصوم
  • الحج
  • الجنائز
  • الفرائض
  • اتصل بنا
  • الأرشيف

مقدار ما يخرج لكل واحد من الأصناف الثمانية

(الحلقة الثلاثون)

1-2- الفقير والمسكين: قرر أهل العلم أن الفقير والمسكين يعطَيَانِ ما يكفيهما سنة، بالغة ما بلغت القيمة؛ إذ ليس لها حد تقف عنده من الدراهم؛ بل المعول عليه في ذلك واقع المجتمع الذي يعيشان فيه.

3- العاملون عليها: يعطى العاملون عليها ما يكافئ عملهم الذي قاموا به فهم كالأجراء سواء بسواء، إلا أن الثمن لا يحدد سلفا لأن العقد ليس عقد إجارة إذ لا تتوفر فيه شروط الإجارة وهي معرفة المنفعة والثمن والمدة. ويدل على هذا: عن عمر رضي الله عنه يرويه عبد الله بن السعدي

 ويقال الساعدي- قال: استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة فلما فرغتُ منها وأديتها إليه أمر لي عَمَالَةً، فقلت: إنما عملت لله، وأجري على الله، فقال : خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول اللهصلى الله عليه وسلم «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِّنْ غَيْرِ أَن تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ». أخرجه: البخاري (4/391) -ومسلم واللفظ له- (3/98-99) وأبو داود (1647) والنسائي (1/364-365) والدارمي (1/388) وأحمد (1/18).

4 - المؤلفة قلوبهم: لم يحدد العلماء ما يعطى للفرد من طائفة المؤلفة  قلوبهم وتُرك هذا التقدير لمن يوزع الزكاة لأن الحالات تختلف من شخص إلى آخر ومن وقت إلى آخَرَ حسب حالة المسلمين قوة وضعفا. ودليل هذا: ما رواه أبو سعيد قال: بعث علي -وهو باليمن- بذُهَيْبَةٍ. فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان. فغضبت قريش وقالوا: تعطي صناديد أهل نَجْدٍ وتدعنا؟ فقال: «إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِتَأَلُّفِهِمْ…». أخرجه بتمامه: البخاري معلقا (2/337) وأخرجه موصولا (4/460) ومسلم (3/110-111) وأبو داود (4764) والنسائي (1/359) والبيهقي (7/18) وأحمد (3/68).

5 - الرقاب: يعطى للفرد من طائفة الأرقاء ما يكفي لتحرير رقبته شريطة أن لا يكون مكاتبا لنفس المزكي.

قلت: وإذا كان رق الأفراد قد انتهى اليوم من العالم -والحمد لله- فإنه يجب علي أن أودع هذا الكتاب أن الإسلام هو أول نظام في الدنيا عمل بكل الوسائل على تصفية الرق وإلغائه؛ لقد سد الأبواب الكثيرة -والواسعة- التي كانت مداخل للرق في العالم: فحرم الاسترقاق عن طريق الخطف، وحرم أن يبيع الإنسان نفسه، أو ولده، أو زوجه؛ ولم يبح أخذ المدين رقيقا في دينه، ولا أخذ المجرم رقيقا بجريمته، كما عُرف ذلك في شرائع سابقة؛ ونجد نموذجا من هذا في قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَّجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ} (سورة يوسف، الآية 79).

        ومن صفات الإسلام السامية والمهيمنة على جميع الشرائع أنه استحدث العتق ولم يستحدث الرق؛ ودعا إلى العتق ورغب فيه، وجعله من أحب القربات إلى الله، وجعله كفارة لكثير من الذنوب، وأمر السادة بمكاتبة عبيدهم إن علموا فيهم خيرا، وجعل لتحريرهم سهما من أموال الزكاة، وجعله في الدرجة الخامسة؛ قبل الغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.

6 - الغارمون: يعطى كل غارم مقدار ما يحتاج إليه لقضاء دينه شريطة أن تتحقق الشروط الآتية:

أ- أن يكون في حاجة إلى ما يقضي به الدين.

ب- أن يكون قد استدان في طاعة، أو في أمر مباح كما ذكرت سابقا.

ج- أن يكون الدين حالاًّ.

ودليل هذا ما رواه قَبِيصَةُ بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسَكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِّنْ عَيْشٍ -أو قال: سِدَادًا مِّنْ عَيْشٍ- وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلاَثَةٌ مِّن ذَوِي الحِجَا مِن قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِّنْ عَيْشٍ -أو قال: سِدَادًا مِّنْ عَيْشٍ- فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ، سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».

أخرجه: مسلم (3/133-134) وأبو داود (1640) والنسائي (1/360-363) والدارمي (1/396) وابن أبي شيبة في "المصنف" (4/58) وأبو عبيد في "الأموال" (1720) وابن الجارود (367) والبيهقي (5/21-23) واحمد (3/477، 5/60) من طرق عن هارون ابن رِيَاب عن كنانة ابن نعيم عن قبيصة.

7- في سبيل الله: تقدم الكلام على هذا المصرف (ص 119-122).

8- ابن السبيل: يعطى للمسافر الغريب ما يكفيه من النفقات حتى يصل إلى مقصده أو موضع ماله، ويشمل ذلك نفقات المُؤَنِ، والكسوة، والانتقال، إلى أن يصل بلده الذي انقطع دونه.

*طالع في الحلقة القادمة: 

الأصناف الذين لا تصرف لهم الزكاة

التفاصيل
نشر بتاريخ: 07 أيلول/سبتمبر 2025
الزيارات: 0

مصارف الزكاة

(الحلقة التاسعة والعشرون)

        لقد عني الإسلام عناية فائقة بأمور الزكاة عامة واشتدت عنايته بمصارفها بصورة خاصة وتولى قسمتها ربنا الرازق الرزاق جل جلاله؛ ولم يدع هذا التقسيم مجملا كما ترك أشياء كثيرة من الزكاة للسنة تبينها وتفصلها.

        فقطع -بما أنزله من القرآن في مصارفها- طمع الطامعين ورغبة ذوي النفوس الردية الذين لا يستحيون أن يزاحموا بمناكبهم الفقراء والمحتاجين، ولو كانوا من غير ذوي الحاجة. وقد حدث ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من فئة من المنافقين؛ إذ تطلعوا إلى أموال الصدقات وسال لعابهم، ولكن الله قطع عليهم الطريق حينما أنزل على رسوله قوله تعالى:

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالَمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية 60).

        ولمَّا لم يحصل المنافقون على أموال الصدقات غمزوا ولمزوا واتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، ففضحهم الله شر فضيحة بقوله تعالى:

{وَمِنْهُم مَّنْ يَّلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} (سورة التوبة، الآيتان: 58-59).

تنبيه وملاحظة:

        عبر سبحانه وتعالى في آية المصارف عن  الأربعة الأولى "باللام" وعن أغلب الأربعة الأخيرة بحرف "في" وذكر المفسرون حكمة هذه المغايرة فقالوا: إن دخول "اللام" على الأربعة الأولى يدل عن التمليك فهم ملاك لما أخذوه يتصرفون فيه كيف شاءوا وأما الأربعة الأخيرة فعبر عنها "بفي" لأنها وعاء للزكاة ولابد أن تصرف في نفس هذه المصارف. والحكمة من ذلك ظاهرة.

التعريف بالمصارف:

        تصرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية التي حددها الله في الآية المذكورة آنفا.

وإيضاح هذه الأصناف كالتالي:

1 - الفقراء: جمع فقير وهو من له أدنى شيء من المال ولكن لا يكفيه لسد حاجاته؛ وقيل من لا يجد شيئا أصلا.

يقول الله الغني المغني:

{إِنْ يَّكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغْنِهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} (سورة النور، الآية 32).

2 - المساكين: جمع مسكين وهو من لا شيء عنده فيحتاج إلى المسألة لقوته أو ما يواري به بدنه، فهذا يحق له أن يسأل وأن يأخذ الزكاة.

وقيل: هو من يجد بعض كفايته؛ يقول الله تعالى:

{فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَايكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوِ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (سورة البلد، الآيات 11-16).

        وهناك من قال إن المسكين أحسن حالا من الفقير؛ مستدلا بقوله تعالى:

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} (سورة الكهف، الآية 79).

والأول أظهر؛ لأن الله بدأ به في آية المصارف، وما بدأ الله به فهو أهم. وليُعلم أنهما إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا.

3- العاملون عليها: جمع عامل وهو الذي يبعثه الإمام لجباية الصدقات فيعطيه الإمام ما يكفيه هو وأعوانه مدة ذهابهم وإيابهم لأن العامل قد فرغ نفسه لهذا العمل. والعاملون عليها تشمل كل من يعمل في جبايتها وتحصيلها، أو في كتابتها وتدوينها، أو حراستها وحمايتها، أو تفريقها وتوزيعها؛ وهؤلاء يعطون أجر عملهم، ولو كانوا أغنياء.

4 - المؤلفة قلوبهم: هم قوم يعطَوْنَ الزكاة تأليفا لقلوبهم وتثبيتا لإيمانهم، أو لترغيب ذويهم في الإسلام، أو طلبا لمعونتهم، أو كف أذاهم.

        وفي زمننا هذا تظهر أهمية إعطاء هذا الصنف؛ لأن بعض من يهديهم الله للإسلام قد ينقطع عن أهله وقومه، وربما حرم من موارد رزقه بمزاعم شتى، فمن حقه أن يصرف له من الزكاة ما يحميه من الضرر.

5 - في الرقاب: الرقاب جمع رقبة، والمراد بها العبد المملوك -أو الأمة- يشترى بمال الزكاة ليعتق؛ فتكمل حريته ويتم تصرفه.

6 - الغارمون: الغارمون هم المدينون الذين لزمتهم ديون بسبب حاجتهم الشخصية، أو بسبب ضرورة اجتماعية، أو مصلحة للمسلمين؛ فيعطَوْنَ من الزكاة إذا لم يكن عندهم سداد لدينهم فاضل عن حاجتهم الضرورية.

7 - في سبيل الله: اختلف أهل العلم في المراد بهذا المصرف؛ فمنهم من قصره على الغزاة المجاهدين في سبيل الله والمرابطين للجهاد -ولو كانوا أغنياء- إذا لم يكن يرعاهم وينفق عليهم بيت مال المسلمين. ودليل هذا ما رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا: «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ».

أخرجه: أبو داود (1635) وابن ماجه (1/564-565) وابن الجارود في "المنتقى" (365) والحاكم (1/40) والبيهقي (7/15) وأحمد (3/56).

قلت: وروى هذا الحديث مرسلا عن زيد بن أسلم: مالك في "الموطإ" (1/256-257) بلفظ «لعامل» بالتنكير. وذكر المنذري في "مختصره" (2/235) أن ابن عبد البر قال: قد وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص" (272) إنه صححه جماعة.

قلت: وممن صححه ابن خزيمة في صحيحه (2/422).

        ومن العلماء من وسع الدائرة فقال إن هذا المصرف يشمل جميع القُرَبِ، فيدخل في ذلك من سعى في طاعة الله وسبيل الخير، فيعان من مال الزكاة على ما يفعل من خير للإسلام والمسلمين.

        والذي يظهر -بدليل الحديث المذكور آنفا- اختصاصه بالغزاة المتطوعين الذين لا رواتب لهم من بيت المال ولو كان المراد به طرق الخير -باستثناء شعيرة الحج- لبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله؛ ودليل صرف الزكاة في الحج ما رواه أبو طليق في قصة أبويه: فسألته أن يعطيها الجمل تحج عليه، فقال: ألم تعلمي أني حبسته في سبيل الله، قالت: إن الحج في سبيل الله فأعطنيه يرحمك الله، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقرأته منها السلام وأخبرته بالذي قالت أم طليق قال: «صَدَقَتْ أُمُّ طَلِيقٍ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا الْجَمَلَ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …». أخرجه: الدولابي في كتابه "الكُنى والأسماء" (1/41) بسند صحيح وقال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" بعد أن ساقه من هذا الوجه: وأخرجه: ابن أبي شيبة وابن السكن وابن مَنْدَه وسنده جيد.

قلت: وقال بجواز إعطاء الزكاة للفقير ليحج بها: ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد رضي الله عنهم؛ وهو مذهب أحمد، كما نقله عنه ابنه عبد الله في "مسائله" (ص 134).

        ومع هذا نجد العلامة أبا عبيد يقول في كتابه "الأموال" (1976): وليس الناس على هذا ولا أعلم أحدا أفتى بأن تصرف الزكاة إلى الحج.

قلت: ويشهد لما قاله أبو عبيد أن الخلفاء الراشدين قد كثرت الزكاة في عهدهم -كما ذكرت سابقا- ولم ينقل أنهم صرفوها في طرق الخير المختلفة. والله أعلم.

8 - ابن السبيل: المراد به المسافر الذي يحتاج إلى المال ليواصل السفر إلى بلاده. فيعطى المسلم الذي انقطع به السفر من الزكاة ما يساعده على العودة إلى بلاده شريطة أن يكون سفرا مباحا.

* طالع في الحلقة القادمة: 

نصيب كل من مصارف الزكاة

التفاصيل
نشر بتاريخ: 02 أيلول/سبتمبر 2025
الزيارات: 0

زكاة عُرُوضِ التجارة

 

(الحلقة الرابعة والعشرون)

العُرُوضُ: جمع عَرْضٍ -بفتحٍ وسكونٍ- واسمٌ لما سوى النقدين: الذهب والفضة. ومال التجارة هو كل ما قصد به الاتجار فيه عند شرائه. وأحل الله للمسلمين البيع وحرم عليهم الربا.

وقال الجمهور من أئمة المذاهب بوجوب الزكاة في عروض التجارة وحددوها بربع العشر: (2,5%). ونقل الإمام البغوي في "شرح السنة" الإجماع على هذا. ومع ذلك نجد البعض خالف وقال بعدم وجوب الزكاة في عُرُوضِ التجارة.

ونبسط القول في هذا كله مع مقارنة أدلة الجميع والتعليق عليها فيما يلي:

شروط وجوب الزكاة في مال التجارة:

اشترط الجمهور:

1- أن تملك عروض التجارة بمعاوضة كشراء أو نحو ذلك.

2 - نية التجارة حال المعاوضة.

3 - أن لا تُقصَدَ بالعُروض القنية أي اقتناؤُها للانتفاع بها وعدم التجارة.

4 - مُضِيُّ حولٍ من وقت ملك العُروض، فإن لم يمض حول من ذلك الوقت فلا تجب الزكاة فيها، إلا إذا كان الثمن الذي ملك به العروض نقدا حالاًّ وكان نصابا، أو كان أقل من نصاب؛ ولكنه يملك ما يكمل النصاب من النقد. ففي هاتين الصورتين تجب عليه الزكاة في العروض متى مضى حول على أصلها (النقد).

5 - أن تبلغ قيمتها نصابا آخر الحول أو بلغت دون نصاب وعنده ما يكمل به.

6 - أن لا يرد جميع مال التجارة أثناء الحول إلى نقد من جنس ما يُقَوَّمُ به وهو دون نصاب فإن رد إلى ما ذكر ثم اشترى به سلعة للتجارة ابتدأ حولها من حين شرائها، لتحقق نقص النصاب بالتنضيض، بخلافه قبل ذلك فإنه مظنون.

قلت: والتنضيض هو تصيير عُروض التجارة دراهم أو دنانير.

واختلف الجمهور في كيفية إخراج الزكاة من هذه العروض:

ـ قال المزني: تزكى عروض التجارة من أعيانها.

ـ رويَ عن مالك قولان: الأول لابن القاسم: من باع عرضا بعرض أبدًا فلا زكاة عليه حتى يبيع -ولو بدرهم- فإذا نض له ولو درهم قَوَّمَ حينئذ عُروضه وزكاها.

والثاني لمطرف وابن الماجشون: يقَوِّم كل عام ويزكِّي نض له شيء أم لا، وأنكرا رواية ابن القاسم.

ـ قال أبو حنيفة: يقومها بالأحوط للمساكين.

ـ قال الشافعي: يقومها بما اشتراها به، فإن كان اشترى عرضا بعرض قومه بما هو الأغلب من نقد البلد.

ـ قال مالك: المدير الذي يبيع ويشتري يقوم كل سنة ويزكي، وأما المحتكر فلا زكاة عليه ولو حبس عروضه سنين حتى  يبيع؛ فإذا باع زكى حينئذ لسنة واحدة.

ـ قال أبو حنيفة والشافعي: يقومان كل سنة ويزكيان.

* طالع في الحلقة القادمة: 

حجة الجمهور على وجوب الزكاة في عروض التجارة

التفاصيل
نشر بتاريخ: 28 آب/أغسطس 2025
الزيارات: 0

قضاء الدين من المال قبل إخراج الزكاة منه

(الحلقة الثامنة والعشرون)

عن ابن عيينة عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه وزكوا بقية أموالكم. أخرجه بسند صحيح: ابن أبي شيبة في "المصنف" وأخرج نحوه بإسناد على شرط الشيخين أبو عبيد في "الأموال" من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن هشام وروى نحوه مالك (1/253) وعنه الشافعي (1/237) وكذا البيهقي (4/148).

تفريق الزكاة:

يسن للرجل أن يتولى تفرقة زكاة ماله بنفسه ليتيقن وصولها إلى مستحقيها:

عن أبي سعيد المقبري قال: جئت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمائتي درهم، قلت يا أمير المؤمنين هذا زكاة مالي قال: أو قد عقدت يا كيسان؟ قال: قلت: نعم قال: اذهب بها أنت فاقسمها. أخرجه: بإسناد حسنه شيخنا الإمام الألباني في الإرواء (3/ 342). والبيهقي (4/114) وأبو عبيد (1805).

لا يحل لمتصدق شراء ما تصدق به:

        عن زيد ابن أسلم عن أبيه أنه قال: سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول: حَمَلْتُ على فرس عتيق في سبيل الله، وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه -أي ترك القيام عليه- فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلم فقال: «لاَ تَشْتَرِهِ وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». أخرجه: البخاري (3/279) ومسلم (5/63) والنسائي (1/367) والبيهقي (3/151) وأحمد (1/40) كلهم عن مالك وهو في الموطإ (1/282/49).

        والحديث عند الشيخين أيضا من طرق أخرى وأبي داود (1593) والترمذي (1/130) وابن ماجه (2390) وابن الجارود (362) والبيهقي وأحمد (1/25).

تعجيل الصدقة قبل أن تحل:

        عن إسماعيل بن زكرياء عن الحجاج بن دينار عن الحكم عن حجية بن عدي عن علي: أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل؟ فرخص له في ذلك. أخرجه: أبو عبيد في "الأموال" (1885) وأبو داود (1624) والترمذي (1/131) والدارمي (1/385) وابن ماجه (1795) وابن سعد في "الطبقات" (4/17) والدارقطني (212-213) والحاكم (3/332) والبيهقي (4/111) وأحمد (1/104) وابن الجارود في "المنتقى" (360) كلهم عن سعيد بن المنصور عن إسماعيل بن زكرياء.

        وقال ابن الجارود عقبه: قال يحيى بن معين: إسماعيل بن زكرياء الخلقاني ثقة، والحجاج بن دينار الواسطي ثقة.

وقال الحاكم: صحيح الإسناد؛ ووافقه الذهبي.

قلت: قال شيخنا الإمام الألباني رحمه الله في "الإرواء" (3/ 347): إن الحجاج بن دينار وحجية ابن عدي مختلَفٌ فيهما، وغاية حديثهما أن يكون حسنا. (منه بلفظه).

        ولهذا الحديث الذي حسنه الشيخ شواهد يتقوى بها؛ أذكر منها:

عن شعيب: حدثنا أبو الزناد… «فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». أخرجه: البخاري (3/262-263) وقال: تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه. ووصل الحديث أبو عبيد في "الأموال" (1897): حدثنا أبو أيوب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به. وقال أبو عبيد في "الأموال" (ص 593): فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَصَدَقَتُهُ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» يبين لك أنه قد كان أخرجها عنه، ثم جعلها دينا عليه، يأخذه منه. فهو في الحديث الأول قد تعجل زكاته منه، وفي هذا أنه أخرها عنه، ولعل الأمرين جميعا قد كانا.

        وقد روى بعضهم حديث العباس: أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «وَأَمَّا صَدَقَةُ الْعَبَّاسِ فَهْيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». فإن كان هذا هو المحفوظ فهو مثل الحديث الأول الذي ذكرناه عن إسماعيل بن زكرياء في تعجيلها قبل حلها وكلا الوجهين جائز. (منه بلفظه).

قلت: ويفهم من كلام أبي عبيد هذا ترجيحه لحديث إسماعيل بن زكرياء في الرخصة في تعجيل الصدقة قبل أن تحل. ولعل هذا التعجيل يكون له سبب معين. ويشهد لهذا ما أخرجه الدارقطني عنالحسن بن عمارة عن الحكم عن موسى بن طلحة عن طلحة أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «يَا عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ إِنَّا كُنَّا احْتَجْنَا إِلَى مَالٍ فَتَعَجَّلْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ مَالِهِ لِسَنَتَيْنِ».لكن قال الحافظ ابن حجر إن ابن عمارة متروك الحديث. والله أعلم.

* طالع في الحلقة القادمة: 

مصارف الزكاة

التفاصيل
نشر بتاريخ: 28 آب/أغسطس 2025
الزيارات: 0

زكاة الأثمان

 

(الحلقة الثالثة والعشرون)

دليل وجوبها: قال الله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}  (سورة التوبة، الآيات 24-25).

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَّ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِن نَّارٍ فَيُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رواه: البخاري (2/911) ومسلم -واللفظ له- (3/70).

النصاب فيها: عن إبراهيم بن إسماعيل عن عبد الله ابن واقد عن ابن عمر وعائشة أن النبيصلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار ومن الأربعين دينارا دينارا. رواه: ابن ماجه واللفظ له (1791) وكذلك أخرجه الدارقطني (199) من هذا الوجه وقال البوصيري في "الزوائد" (113/1): إبراهيم بن إسماعيل ضعيف.

لكن للحديث شواهد يتقوى بها. ونذكر منها ما أخرجه أبو عبيد في الأموال (408/1106) عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري: أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب عمر في الصدقة أن الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار، والورِق لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ مائتي درهم، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم.

قلت: وصحح حديث إبراهيم بن إسماعيل بشواهده شيخنا الإمام المحدث الألباني في كتابه "إرواء الغليل" (3/ 292).

صدقة الْوَرِقِ ويقال له أيضا الرِّقَةُ:

عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِّنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ…» رواه: مسلم (3/67) وأبو نعيم في "المستخرج" (16/37/2) والطحاوي (1/314).

وفي كتاب الصدقة الذي كتبه أبو بكر رضي الله عنه لأنس حينما وجهه إلى البحرين "… وفي الرِّقَةِ في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها" رواه: البخاري وغيره (2/100).

قال النووي في شرح مسلم (7/48) ما نصه: "… فنصاب الفضة خمس أواقٍ، وهي مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالا والمعول فيه على الإجماع…".

ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 369) أن ابن قتيبة قال: الرقة الفضة سواء كانت الدراهم أو غيرها.

 

* طالع في الحلقة القادمة: 

زكاة عُرُوضِ التجارة

التفاصيل
نشر بتاريخ: 23 آب/أغسطس 2025
الزيارات: 0
  1. تذكرة ونصيحة لجميع المسلمين (2)
  2. خلاصة البحث
  3. تذكرة ونصيحة لجميع المسلمين (1)
  4. حجة الجمهور على وجوب الزكاة في عروض التجارة

الصفحة 3 من 9

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9

الطهارة

  • صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما نقله عمرو بن عثمان

  • صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

  • أقسام ما يتطهر به من الماء

مؤلفات الشيخ

الصلاة

قضاء الفوائت

اِقرأ المزيد...

قضاء المسبوق

اِقرأ المزيد...

(الحلقة التاسعة عشرة/ الأخيرة)

الزكاة

الأصناف الذين لا تصرف لهم الزكاة

أصناف زكاة الفطر

قضاء الدين من المال قبل إخراج الزكاة منه

الحج

التوجه إلى منى محرمين اليوم الثامن

الأمر بفسخ الحج إلى العمرة

الوقوف على الصفا والمروة

جميع الحقوق محفوظة © 2026 عبد الرحمن ولد شعيب