زكاة المستغلات والدخل وكسب العمل والمهن
(الحلقة التاسعة عشرة)
المستغلات: هي الدور التي يكريها مالكها وكذلك الدواب ونحوها.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فمنهم من قال بوجوب الزكاة في عينها؛ كالعلامة أحمد بن يحيى اليمني المولود في القرن الثامن من الهجرة في كتابه "الأزهار" وتَبَنَّى هَذَا القول بعض المتأخرين.
ومنهم من قال بعدم وجوبها كالإمام الشوكاني في كتابه "السيل الجرار" (2/27) وهو كتاب يرد فيه على صاحب "كتاب الأزهار" المذكور أعلاه.
وقال الشوكاني ما نصه: "هذه مسألة لم تطن على أذن الزمن ولا سمع بها أهل القرن الأول الذين هم خير القرون ولا القرن الذي يليه ثم الذي يليه، وإنما هي من المحدثات اليمنية والمسائل التي لم يسمع بها أهل المذاهب الإسلامية على اختلاف أقوالهم وتباعد أقطارهم ولا توجد عليها أثارة من علم، ولا من كتاب، ولا سنة، ولا قياس". (منه بلفظه).
قلت: وأكثر أهل العلم على أن الزكاة لا تجب فيها إلا إذا حال الحول على المال المقبوض من الأجرة وهو في حوزة صاحبه.
ويظهر لي -والله أعلم- أن هذا يدل عليه الحديث الذي يرويه عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن النبي صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ». أخرجه: أبو داود (1573) والبيهقي (4/95) وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (ص 175) "لا بأس بإسناده، والآثار تعضده فيصلح للحجة". وصححه الإمام الألباني رحمه الله من طريق أخرى عن علي رضي الله عنه في تعليقه على سنن أبي داود (1403). والله أعلم.
* طالع في الحلقة القادمة:
زكاة الأسهم في الشركات والسندات
- التفاصيل
- الزيارات: 0
زكاة الزيتون
(الحلقة الرابعة عشرة)
قال النووي: وأما الزيتون فالصحيح عندنا أنه لا زكاة فيه.
وقال الزهري والأوزاعي والليث ومالك والثوري وأبو حنيفة: إن فيه الزكاة.
وقال أبو عبيد في كتاب "الأموال" (ص575) معلقا على أقوال الفقهاء في وجوب الزكاة في الزروع والخضروات ما نصه: والذي أختاره من ذلك الاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة التي سماها وسنها مع قول من قاله من الصحابة والتابعين.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خص هذه بالصدقة وأعرض عما سواها قد كان يعلم أن للناس أموالا مما تخرج الأرض. وكان تركه ذلك -عندنا- عفوا منه، كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق. وإنما يُحتاجُ إلى النظر والتشبيه والتمثيل إذا لم توجد سُنَّةٌ قائمة فإذا وجدت السنة لزم الناس اتباعها. (منه بلفظه).
قلت: والذي قاله الإمام أبو عبيد هو الذي يجب الوقوف عنده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ومعاذ حين أرسلهما إلى اليمن يُعَلِّمَانِ الناس أمر دينهم: «لاَ تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إِلاَّ مِن هَذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالحِنطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ». أخرجه: البيهقي والحاكم -وصححه- ووافقه الذهبي واختاره أبو عبيد في كتابه "الأموال" (1409) وابن زنجويه (1/1030/1099).
ويشهد لهذا الحديث ما رواه وكيع عن عمرو بن عثمان عن موسى بن طلحة أن معاذا لما قدم اليمن لم يأخذ الزكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. رواه ابن أبي شيبة (4/19) وأخرجه الدارقطني (201) والحاكم (1/401) وعنه البيهقي (4/128-129) عن عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان عن عمرو بن عثمان عن موسى ابن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر.
قلت: وأجاب الحاكم عن الانقطاع بين موسى ومعاذ بقوله: هذا حديث قد احتجا بجميع رواته وموسى بن طلحة تابعي كبير لا ينكر أن يدرك أيام معاذ ووافقه الذهبي فقال: "على شرطهما" يعني البخاري ومسلما.
لكن قال الزيلعي في "نصب الراية" (2/386) إن معاذا توفي في خلافة عمر فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال.
وأجاب عما قاله الزيلعي من الإرسال: الإمام المحدث شيخنا الألباني رحمه الله فقال في كتابه "إرواء الغليل" (3/ 277) لا وجه عندي لإعلال هذا السند بالإرسال؛ لأن موسى إنما يرويه عن كتاب معاذ ويصرح بأنه كان عنده فهي رواية من طريق الوجادة وهي حجة على الراجح من أقوال علماء أصول الحديث، ولا قائل باشتراط اللقاء مع صاحب الكتاب. وإنما يشترط الثقة بالكتاب وأنه غير مدخول. فإذا كان موسى ثقة ويقول: "عندنا كتاب معاذ بذلك" فهي وجادة من أقوى الوجادات لقرب العهد بصاحب الكتاب. (منه بلفظه).
وحشر الإمام الشوكاني رحمه الله "الذرة" في جملة الأصناف الأربعة التي تجب فيها الزكاة في كتابه "الدرر البهية" ولم يتبعه عليه شارحه في كتابه "الروضة الندية" (1/200) وقال -بعد أن ساق ما ذكره الشوكاني من الشواهد-: وفي بعضها ذكر الذرة ولكن من طريق لا تقوم بمثلها حجة.
قلت: ولعل الإمام الشوكاني نفسه تنبه إلى ذلك فإنه لم يذكر في كتابه المتأخر عن الدرر؛ وهو "السيل الجرار على حدائق الأزهار" سوى الأصناف الأربعة ولم يذكر الذرة (2/43).
وبالأخذ بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة يرتاح المسلم من الأقوال المختلفة والمتضاربة؛ والتي ليس عليها دليل سوى الرأي كما بينته آنفا.
لكن على المسلم أن يتذكر يوم حصاده لما أنعم الله عليه به من الزروع والثمار كالأرز وغير ذلك مما لا تجب الزكاة فيه بنص من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل الرازق الرزاق بأصحاب البستان الذين تواعدوا بحرمان المساكين: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ أَنُ اغْدُواْ عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ} (سورة القلم، الآيات: 19-24).
فاعتبروا يا أولي الألباب وامتثلوا ما أمر به الغني المغني ومنه:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} (سورة البقرة، الآية 267).
* طالع في الحلقة القادمة:
زكاة العسل
- التفاصيل
- الزيارات: 0
نصاب الزكاة في المعادن
(الحلقة الثامنة عشرة)
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:الأول: قول الحنفية بوجوب الزكاة في المعدن بقليله وكثيره دون اعتبار نصاب له؛ لأنهم قالوا إنه ركاز ولا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز.الثاني: قول الإمام مالك والشافعي وأحمد بوجوب الزكاة في المعدن إذا بلغ نصابا وذلك بأن يبلغ الخارج ما قيمته نصاب من النقود واستدل هؤلاء بعموم الأحاديث التي وردت في نصاب الذهب والفضة وبالإجماع على أن نصاب الذهب عشرون مثقالا.قلت: والصحيح الذي تعضده الأدلة هو اعتبار النصاب وعدم اعتبار الحول.مقدار الواجب في زكاة المعدن: اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فذهب الحنفية إلى وجوب الخُمُسِ في المعدن وذلك بناء على أنه فيء وعليه فيصرف في مصالح المسلمين عامة. وذهب مالك -وأحمد في أحد قوليه- إلى أن الواجب ربع العشر قياسا على الواجب في النقدين، وعندهما أنه زكاة يصرف في مصارف الزكاة.زكاة الركاز: عن أبي هريرة مرفوعا: «… وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» رواه: البخاري (1/381) ومسلم (3/127) وأبو داود (3085) والنسائي (1/345) والترمذي (1/259) والدارمي (1/393) وابن ماجه (2509) ومالك (1/249/9) وابن الجارود (191) والبيهقي (4/155) والطيالسي (2305) وأحمد (2/239).قلت: والظاهر من إطلاق الحديث «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» عدم اشتراط النصاب وهو مذهب الجمهور، واختاره: ابن المنذر والصنعاني والشوكاني. وهذا الخمس يصرف صرف الفيء المطلق للمصالح كلها.الزكاة فيما يستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والسمك: اختلف أهل العلم في وجوب الزكاة فيما يستخرج من البحر:فقال البعض بعدم وجوب الزكاة فيه، وقال البعض بوجوب الزكاة فيه؛ لأنه خارج من معدن فأشبه الخارج من معدن البر.قلت: وكما ذكرت آنفا لم أجد في هذه المسألة إلا عموم الآية رقم 267 من سورة البقرة المذكورة سابقا وعليه فالزكاة فيه واجبة لشبهه بالمعادن، والله أعلم.
* طالع في الحلقة القادمة:
زكاة المستغلات والدخل والمهن
- التفاصيل
- الزيارات: 0
صفة المعادن التي تجب فيها الزكاة
(الحلقة السابعة عشرة)
اختلف أهل العلم في صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول الإمام مالك والشافعي؛ حيث قصرا المعدن الذي تجب فيه الزكاة على الذهب والفضة، وأما غيرهما من الجواهر فلا زكاة فيه.
الثاني: قول أبي حنيفة وأصحابه؛ حيث أوجبوا الزكاة في المعادن المستخرجة من الأرض الجامدة التي تَـنْطَبِعُ بالنار وأما المعادن السائلة والمعادن الجامدة التي لا تَـنطَبِعُ بالنار فلا شيء فيها.
الثالث: قول الحنابلة، حيث أوجبوا الزكاة في كل أنواع المعادن وهي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة؛ ولا فرق عندهم بين ما ينطبع وما لا ينطبع سواء أكان جامدا أو سائلا.
قلت: لم أجد في هذه المسألة غير عموم الآية المذكورة آنفا؛ وعلى هذا يكون قول الحنابلة أرجح وأظهر؛ لأنه يشمل جميع أنواع المعادن كالبترول والغاز وغير ذلك. والله أعلم.
* طالع في الحلقة القادمة:
نصاب الزكاة في المعادن واللؤلؤ ونحوهما
- التفاصيل
- الزيارات: 0
أنواع الزروع والثمار والخضروات التي تجب فيها الزكاة
(الحلقة الثالثة عشرة)
اختلف أهل العلم في الأصناف التي تجب فيها الزكاة مما ذكر وسبب اختلافهم راجع إلى تعلق الزكاة: هل هي متعلقة بعين أم هي متعلقة بعلة؟ واختلفوا أيضا في العلة هل هي الاقتيات والادخار أم هي الكيل وهل تجب الزكاة في كل الزروع والثمار؟
ولإفادة القارئ نجمل له فيما يلي آراء أئمة المذاهب في ذلك:
1- مالك: يشترط في وجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض أن يكون مما يبقي وييبس واستنبته ابن آدم سواء أكان مقتاتا كالقمح والشعير أو غير مقتات كالقرطم والسمسم، ولا زكاة عنده في الخضروات والفواكه كالتين والرمان والفتاح.
2- الشافعي: تجب عنده الزكاة فيما تخرج الأرض بشرط أن يكون مما يقتات ويدخر ويستنبته الآدميون كالقمح والشعير.
3 - أحمد: يوجب الزكاة في كل ما أخرجه الله من الأرض من الحبوب والثمار مما ييبس ويبقى ويكال ويستنبته الآدميون في أرضهم -أي إن اشترى زرعا بعد بدو صلاحه أو ثمرة بدا صلاحها أو ملكها بأيٍّ من طُرُق الملك لم تجب فيها الزكاة- سواء أكان قوتا: كالحنطة أو من القطنيات -أي الحبوب سوى البر والشعير؛ سميت بذلك لأنها تقطن في البيوت- أو من الأباريز كالكزبرة والكراويا، أو من البذور كبذور الكتان والقثاء والخيار، أو حب البقول كالقرطم والسمسم.
وتجب عنده أيضا الزكاة فيما جمع هذه الأصناف من الثماراليابسة كالتمر والزبيب والمشمش والتين واللوز والبندق والفستق.
ولا زكاة عنده في سائر الفواكه التي لا تجف ولا في الخضروات.
4- أبو حنيفة: تجب عنده الزكاة في كل ما أنبتته الأرض لا فرق بين الخضروات وغيرها، ويشترط أن يقصد المزكي بزراعته استغلال الأرض ونماءها عادة؛ واستثنى من الزكاة: الحطب، القصب الفارسي، الحشيش، الشجر الذي لا ثمر له.
ـ وقال الحسن البصري -وكذا الشعبي- إنه لا زكاة إلا في منصوص عليه وهو الحنطة والشعير والتمر والزبيب لأن ما عداه لا نص فيه.
* طالع في الحلقة القادمة:
زكاة الزيتون
- التفاصيل
- الزيارات: 0