حجة الجمهور على وجوب الزكاة في عروض التجارة
(الحلقة الخامسة والعشرون)
من الكتاب:
قول ربنا الكريم الأكرم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (سورة البقرة، الآية 267).
قال ابن كثير في تفسيره: يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق -والمراد به الصدقة هنا- من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها يعني التجارة بتيسيره إياها لهم.
قلت: هذا التفسير ليس فيه تفصيل للزكاة المعنية.
من الحديث:
1- عن سليمان بن موسى أبي داود ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان عن سمرة بن جندب قال: أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع. أخرجه: أبو داود (1562) وعنه البيهقي (4/146-147) ورواه الدارقطني في سننه (ص 214) والطبراني في معجمه الكبير، وعنه عبد الغني المقدسي في "السنن" (2/133) وساقه الزيلعي في "نصب الراية" (2/376 واللفظ منه) عن جعفر ابن سعد بن سمرة بن جندب عن خبيب بن سليمان ابن سمرة بن جندب عن أبيه سمرة بن جندب به بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالرقيق -الرجل والمرأة-الذي هو تلاده، وهم عَمَلَةٌ لا يريد بيعهم، أن لا يخرج عنهم الصدقة، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع.
وقال المقدسي: وهو إسناد حسن غريب. وكذلك حسنه ابن عبد البر.
قلت: قد فات من حسن هذا الحديث أن ثلاثة من رواته مجهولون وهم: جعفر بن سعد، وخبيب بن سليمان، وأبوه. وقال الإمام الذهبي في "الميزان": هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم. وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (2/179): وفي إسناده جهالة. وقال الشيخ تقي الدين في "الإمام": وسليمان بن سمرة بن جندب: لم يعرف ابن أبي حاتم بحاله.
قلت: وهذا كله يؤكد ضعف هذا الحديث.
2 - مر ابن عمر فقال: يا حماس أَدِّ زكاة مالك. فقلت: ما لي مال إلا جِعَابٌ وأُدُمٌ. فقال: قوِّمْها قيمة ثم أَدِّ زكاتها. رواه: أحمد وكذا سعيد بن منصور في "التلخيص" (185) وأبو عبيد في "الأموال" (425/1179) عن عبد الله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماسعن أبيه، ومن طريقه أخرجه الشافعي (1/236) والدارقطني (213) والبيهقي (4/147) وابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
قلت: هذا حديث ضعيف؛ وعلته أن مداره على أبي عمرو بن حماسوهو مجهول كما قال الإمام الذهبي في "الميزان".
3 - روى دعلج بن أحمد من أصل كتابه: ثنا هشام ابن علي: ثنا عبد الله بن رجاء: ثنا سعيد بن سلمة: ثنا موسى عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَيِ الإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهَا، وَمَن رَّفَعَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ تِبْرًا أَوْ فِضَّةً لاَّ يُعِدُّهَا لِغَرِيمٍ، وَلاَ يُنفِقُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهْوَ كَنزٌ يُكْوَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
أخرجه: الدارقطني في "سننه" (ص 203) والبيهقي (4/147) وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/213).
قلت: هذا إسناد ضعيف من أجل موسى -وهو ابن عبيدة- فقد ضعفه الحافظ ابن حجر في "التقريب".
والحديث أخرجه أيضا الحاكم (1/388) بهذا السند عن هذا الشيخ وهو دعلج بن أحمد السجزي ووقع فيه سقط موسى بن عبيدةوهو علة الحديث، ولم أجد من قال من أين جاء هذا السقط. ولسقوط هذا الضعيف من السند صحح الحاكم الحديث وحسنه الحافظ ابن حجر؛ وهما معذوران.
تنبيه: البَزُّ: في القاموس: الثياب أو متاع البيت من الثياب ونحوها. ثم إن الحديث فيه لفظة اختلفت النسخ فيها وهي "البز" ففي بعضها "البَزُّ" بفتح الموحدة والزاي المعجمة وفي بعضها "البُرّ" بالباء المضمومة والراء المهملة ولم يتبين أيهما الأرجح وهذا مما يوجب الاحتمال فلا يتم الاستدلال به؛ وهذا لو صح الحديث؛ فكيف وهو ضعيف كما بينت!!.
4 - أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر أنه قال: ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة. رواه الشافعي في مسنده عن الثقة ورواه في كتابه "الأم" (2 / 63) بسند صحيح. ورواه أحمد ابن حنبل عن حفص بن غياث عن عبيد الله وفي لفظه: إلا ما كان للتجارة.
قلت: هذا أصح حديث في هذا الباب وهو موقوف غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيه بيان نصاب زكاتها ولا ما يجب إخراجه منها، فيمكن حمله على زكاة مطلقة، غير مقيدة بزمن أو كمية فيدخل حينئذ في عموم النصوص الآمرة بالإنفاق.
ويؤكد هذا حديثان رُوِيا عن عطاء بن أبي رباح:
أ - قال ابن جريج: قال لي عطاء:
لا صدقة في لؤلؤ ولا زبرجد ولا ياقوت ولا فُصُوصٍ ولا عرض ولا شيء لا يدار (أي لا يتاجر به) وإن كان شيء من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثَمَنِهِ حين يباع. أخرجه بسند صحيح جدا: عبد الرزاق (4/84/7061) وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/144).
ب - قال إبراهيم الصانع: سُئِلَ عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتى، حضرت زكاته، أعليه أن يقوم متاعه، على نحو ما يعلم أنه ثمنه فيخرج زكاته؟ قال: لا، ولكن ما كان من ذهب أو فضة أخرج منه زكاته وما كان من بيع أخرج منه إذا باعه.
أخرجه ابن زنجويه في كتابه "الأموال" (3/946/1703) بسند حسن كما قال المعلق على الكتاب د. شاكر.
وقال المخالفون لقول الجمهور: لا زكاة في عروض التجارة.
والمخالفون هم:
ـ عطاء بن أبي رباح؛ ومذهبه ما ذكرت في الحديثين المتقدمين
ـ ابن حزم؛ وقد أشبع القول في هذه المسألة وذهب إلى أنه لا زكاة في عروض التجارة، ورد على أدلة القائلين بوجوبها في كتابه "المحلى" (5/233-244).
ـ الإمام الشوكاني في كتابه "الدرر البهية" وفي كتابه "السيل الجرار" (2/26-27).
ـ الصديق حسن خان في كتابه "الروضة الندية" (1/192-193).
ـ الإمام المحدث شيخنا الألباني في كتابه "تمام المنة" (363)
* طالع في الحلقة القادمة:
خلاصة البحث
- التفاصيل
- الزيارات: 0
مقدار ما يخرج لكل واحد من الأصناف الثمانية
(الحلقة الثلاثون)
1-2- الفقير والمسكين: قرر أهل العلم أن الفقير والمسكين يعطَيَانِ ما يكفيهما سنة، بالغة ما بلغت القيمة؛ إذ ليس لها حد تقف عنده من الدراهم؛ بل المعول عليه في ذلك واقع المجتمع الذي يعيشان فيه.
3- العاملون عليها: يعطى العاملون عليها ما يكافئ عملهم الذي قاموا به فهم كالأجراء سواء بسواء، إلا أن الثمن لا يحدد سلفا لأن العقد ليس عقد إجارة إذ لا تتوفر فيه شروط الإجارة وهي معرفة المنفعة والثمن والمدة. ويدل على هذا: عن عمر رضي الله عنه يرويه عبد الله بن السعدي
ويقال الساعدي- قال: استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة فلما فرغتُ منها وأديتها إليه أمر لي عَمَالَةً، فقلت: إنما عملت لله، وأجري على الله، فقال : خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول اللهصلى الله عليه وسلم «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِّنْ غَيْرِ أَن تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ». أخرجه: البخاري (4/391) -ومسلم واللفظ له- (3/98-99) وأبو داود (1647) والنسائي (1/364-365) والدارمي (1/388) وأحمد (1/18).
4 - المؤلفة قلوبهم: لم يحدد العلماء ما يعطى للفرد من طائفة المؤلفة قلوبهم وتُرك هذا التقدير لمن يوزع الزكاة لأن الحالات تختلف من شخص إلى آخر ومن وقت إلى آخَرَ حسب حالة المسلمين قوة وضعفا. ودليل هذا: ما رواه أبو سعيد قال: بعث علي -وهو باليمن- بذُهَيْبَةٍ. فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان. فغضبت قريش وقالوا: تعطي صناديد أهل نَجْدٍ وتدعنا؟ فقال: «إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِتَأَلُّفِهِمْ…». أخرجه بتمامه: البخاري معلقا (2/337) وأخرجه موصولا (4/460) ومسلم (3/110-111) وأبو داود (4764) والنسائي (1/359) والبيهقي (7/18) وأحمد (3/68).
5 - الرقاب: يعطى للفرد من طائفة الأرقاء ما يكفي لتحرير رقبته شريطة أن لا يكون مكاتبا لنفس المزكي.
قلت: وإذا كان رق الأفراد قد انتهى اليوم من العالم -والحمد لله- فإنه يجب علي أن أودع هذا الكتاب أن الإسلام هو أول نظام في الدنيا عمل بكل الوسائل على تصفية الرق وإلغائه؛ لقد سد الأبواب الكثيرة -والواسعة- التي كانت مداخل للرق في العالم: فحرم الاسترقاق عن طريق الخطف، وحرم أن يبيع الإنسان نفسه، أو ولده، أو زوجه؛ ولم يبح أخذ المدين رقيقا في دينه، ولا أخذ المجرم رقيقا بجريمته، كما عُرف ذلك في شرائع سابقة؛ ونجد نموذجا من هذا في قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَّجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ} (سورة يوسف، الآية 79).
ومن صفات الإسلام السامية والمهيمنة على جميع الشرائع أنه استحدث العتق ولم يستحدث الرق؛ ودعا إلى العتق ورغب فيه، وجعله من أحب القربات إلى الله، وجعله كفارة لكثير من الذنوب، وأمر السادة بمكاتبة عبيدهم إن علموا فيهم خيرا، وجعل لتحريرهم سهما من أموال الزكاة، وجعله في الدرجة الخامسة؛ قبل الغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.
6 - الغارمون: يعطى كل غارم مقدار ما يحتاج إليه لقضاء دينه شريطة أن تتحقق الشروط الآتية:
أ- أن يكون في حاجة إلى ما يقضي به الدين.
ب- أن يكون قد استدان في طاعة، أو في أمر مباح كما ذكرت سابقا.
ج- أن يكون الدين حالاًّ.
ودليل هذا ما رواه قَبِيصَةُ بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسَكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِّنْ عَيْشٍ -أو قال: سِدَادًا مِّنْ عَيْشٍ- وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلاَثَةٌ مِّن ذَوِي الحِجَا مِن قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِّنْ عَيْشٍ -أو قال: سِدَادًا مِّنْ عَيْشٍ- فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ، سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».
أخرجه: مسلم (3/133-134) وأبو داود (1640) والنسائي (1/360-363) والدارمي (1/396) وابن أبي شيبة في "المصنف" (4/58) وأبو عبيد في "الأموال" (1720) وابن الجارود (367) والبيهقي (5/21-23) واحمد (3/477، 5/60) من طرق عن هارون ابن رِيَاب عن كنانة ابن نعيم عن قبيصة.
7- في سبيل الله: تقدم الكلام على هذا المصرف (ص 119-122).
8- ابن السبيل: يعطى للمسافر الغريب ما يكفيه من النفقات حتى يصل إلى مقصده أو موضع ماله، ويشمل ذلك نفقات المُؤَنِ، والكسوة، والانتقال، إلى أن يصل بلده الذي انقطع دونه.
*طالع في الحلقة القادمة:
الأصناف الذين لا تصرف لهم الزكاة
- التفاصيل
- الزيارات: 0
الصفحة 33 من 61