كتاب الصوم
(الحلقة الثانية)
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله وهو الحق:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة البقرة، الآية: 185).
1 - معنى الصوم، وحكمه، وفضله، وثبوت الرؤية:
يطلق الصوم والصيام في اللغة على الإمساك: قال تعالى على لسان مريم ابنة عمران: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أي إمساكا عن الكلام؛ وفي الشرع كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، وبشرائط مخصوصة. أو هو كما قال القرطبي في تفسيره: إمساك عن الأكل، والشرب، والجماع؛ ما بين طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بنية التعبد لله تعالى.
فرض رمضان أَوَّلاً على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينا؛ ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وبقيت رخصة الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصوم.
وكان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة فنسخ ذلك -بفضل الله- وقال جل وعلا: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} (سورة البقرة، الآية: 187).
2 - حكمه:
ينقسم الصيام إلى: فرض وتطوع.
وصوم الفرض -الذي يهمنا- هو صوم رمضان، وصوم الكفارات: اليمين، الظهار، وصوم النذر.
أ - الصيام كفارة:
قال الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ، فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ ِبهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَاِمَلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (سورة البقرة، الآية: 196).
وقال جل ثناؤه: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (سورة النساء، الآية: 92).
وقال العليم الحكيم: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُّؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ َتْحِريرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَ حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة المائدة، الآية: 89).
قال السميع العليم: {يَاأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ َفَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزُ ذُو انتِقَامٍ} (سورة المائدة، الآية: 95).
وقال اللطيف الخبير: {وَالذيِنَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمًّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَّتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَّتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعاَمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة المجادلة، الآيتان: 3-4).
وروى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ».
* طالع في الحلقة القادمة: صوم رمضان
- التفاصيل
- الزيارات: 0
أصناف زكاة الفطر
(الحلقة الثالثة عشرة)
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال -كما رواه البخاري ومسلم-: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أَقِطٍ.
قلت: ولهذا الحديث طرق ومتابعة يكمل بعضها البعض؛ كالذي رواه مالك في "الموطإ" -وعنه البخاري، ومسلم، والطحاوي، والبيهقي- وزاد مالك: وذلك بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.
والمتابعة من طريق سفيان الثوري عن زيد بن أسلم أخرجها البخاري، والنسائي، والترمذي، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد؛ قال: كنا نعطيها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم: صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أَقِطٍ؛ فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدا من هذا يعدل مدين. وزاد الترمذي: "من تمر" قال الراوي: فأخذ الناس بذلك.
قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه. وليس في رواية البخاري "أو صاعا من أَقِطٍ". وروى ابن خزيمة بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤدي زكاة رمضان: صاعا من طعام، عن الصغير، والكبير، والحر، والمملوك؛ من أدى سلتا قُبِلَ منه. وأحسبه قال: من أدى دقيقا قُبِلَ منه، ومن أدى سويقا قُبِلَ منه.
وقت إخراجها:
1 - روى البخاري -واللفظ له- ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة.
2 - وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، والذهبي، والمنذري، والبيهقي، بسند حَسَّنَهُ ابن قدامة في "المغني" والنووي في "المجموع" وابن دقيق العيد في "الإلمام" عن ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
3 - وروى مالك في الموطإ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثةٍ.
4 - وأخرج ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب: متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل، قلت متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين.
قلت: ولا يجزئ إخراج القيمة؛ لأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائل -كما رواه مسلم- «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
وتم -بفضل الله ورحمته- كتاب الصوم وأسأل الله أن يوفقني للحق بإذنه فيما كتبت فيه -وفي غيره- وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به؛ إنه هو البر الرحيم. آمين.
تم
- التفاصيل
- الزيارات: 0
الصفحة 34 من 61