قيام رمضان أو صلاة التراويح
(الحلقة الحادية عشرة)
المعنى: قال الحافظ ابن حجر في الفتح: التراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة.
ـ مشروعيتها: روى البخاري، ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة
فصلي بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة -أو الرابعة- فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح قال: «قَدْ رَأَيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَن تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ». وهذا لفظ مسلم.
فلما لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار ربه، وكمل الدين، وانقطع الوحي، زالت الخشية من وجوبها، وبقيت مشروعية صلاتها جماعة قائمة؛ لزوال العلة؛ لأن العلة تدور مع المعلول وجودا أو عدما. فكان أول من جمع الناس على قارئ واحد الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه -كما رواه البخاري، ومالك، وعبد الرزاق- عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعمت البدعة هذه؛ والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. وكان الناس يقومون أوله.
عدد ركعاتها: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. والحديث رواه البخاري، ومسلم، وأبو عوانة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ومالك؛ وعنه البيهقي، وأحمد.
ـ روى مالك في الموطإ بسند صحيح من طريق محمد ابن يوسف؛ وعنه أبو بكر النيسابوري في "الفوائد" والفريابي، والبيهقي في سننه الكبرى، عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين (يعني بمئات الآيات) حتى كنا نعتمد على العصا من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر.
وقد تابع مالكا على الإحدى عشرة ركعة يحي ابن سعيد القطان عند ابن أبي شيبة "في المصنف" ومحمد بن إسحاق عند النيسابوري، وإسماعيل بن جعفر المدني عند ابن خزيمة، كلهم قالوا عن محمد بن يوسف به إلا ابن إسحاق فإنه قال ثلاث عشرة ركعة.
قلت: وهذا العدد -ثلاث عشرة- الذي تفرد به ابن إسحاق منه ركعتا الفجر؛ كما في رواية لابن أبي شيبة، ومسلم، عن عائشة؛ قالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل، منها ركعتا الفجر. لكن جاء في رواية أخرى عند مالك -وعنه البخاري- أنها قالت: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين. وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين بقوله: فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء؛ لكونه صلى الله عليه وسلم كان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل. وقد ثبت عند مسلم أنها قالت إنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين. والله أعلم.
ـ وأما ما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" وعبد بن حميد في "المنتخب" من "المسند" والطبراني في "المعجم الكبير" وفي "الأوسط" وابن عدي في "الكامل" والخطيب في "الموضح" والبيهقي في "سننه" كلهم من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر؛ فلا يلتفت إليه، كما نوضحه فيما يلي.
قلت: وحديث ابن عباس هذا ضعيف جدا؛ كما قال السيوطي في "الحاوي للفتاوي" وعلته أن فيه أبا شيبة إبراهيم بن عثمان؛ قال فيه الحافظ في "التقريب" متروك الحديث. وقال فيه البيهقي: تفرد به أبو شيبة وهو ضعيف وكذا قال الهيثمي "في الْمَجْمَعِ" إنه ضعيف. وقال فيه ابن معين: ليس بثقة، وقال الجُوزجاني: ساقط. وقال البخاري فيه: سكتوا عنه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في اختصار "علوم الحديث" أن من يقول البخاري فيه: "سكتوا عنه" يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده. وأورده الحافظ الذهبي من مناكير هذا الراوي. وقال الفقيه ابن حجر الهيثمي في "الفتاوي الكبرى" إنه يروي الموضوعات.
وهذا الحديث -مع شدة ضعفه- يعارض حديث عائشة وجابر الذي رواه البخاري ومسلم؛ كما قال الحافظان: الزيلعي والعسقلاني.
خلاصة البحث: نظرا لما قدمنا واعتمادا عليه، أقول -وما توفيقي إلا بالله-: إن رواية إحدى وعشرين ركعة منكرة، ولا يحتج بها. والله أعلم.
* طالع في الحلقة القادمة: زكاة الفطر
- التفاصيل
- الزيارات: 0
صفة صـوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحَجَّتِه من الكتاب والأحاديث الصحيحة
(الحلقة الأولى)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
يقول الله وهو الحق وقوله الحق: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (سورة الأحزاب، الآية: 21). ويقول في سورة الحشر (الآية: 7): {وَمَا ءاتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.
ويقول الله عز وجل في سورة آل عمران (الآية: 163): { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.
والرسول صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا وَبَيَّنَ لنا أشد وأظهر البيان كلما هو خير لنا في دنيانا وآخرتنا وكل ما هو شر لنا في دنيانا وآخرتنا، وَأَبْرَزَ مِن بَيْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْبَيَانِ كُلَّمَا يَتَعَلَّقُ بما بُنِيَ عليه الإسلامُ، كما رواه عنه ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَنْ ّيُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ». قال رجل: الحج وصيام رمضان؟ فقال: لاَ، «صِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ» هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا لفظ الإمام مسلم رحمه الله.
وبعد كتابي "صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة وصفة وضوئه وصفة صلاته" فها أنا -بفضل الله وتوفيقه- أقدم للقراء الكرام: "صفة صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وصفة حجته".
وكصنيعي في كتاب "الصلاة" سألتزم بالصحيح من الحديث في هذا الكتاب؛ مؤكدا ذلك بتخريج جميع أحاديثه، ليسهل على القراء الكرام مراجعتها -عند الحاجة- في محلها المذكور، وهذا يعني جمعها من الشتات في نفائس المصنفات وهو ما يتطلب بحثا وجهدا مضنيا في كثير من الأحاديث. وحديث الخمس المبني الإسلام عليها -كما تقدم ذكره- جعل في الترتيب صيام رمضان قبل الحج.
وسأستوحي منه ترتيب الكتاب على النحو التالي:
1 - صفة صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان.
2 - صفة حجته صلى الله عليه وسلم.
وأرتب الكلام على صفة صومه صلى الله عليه وسلم بذكر المراحل التي مرت بها فريضة الصوم ثم الواقع العملي للصوم.
ولما كانت مصالح الصوم مشهودة بالعقول السليمة شرعها الله لعباده؛ رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وحِمْيَةً لهم وجُنَّةً.. وكان هدي رسول اللهصلى الله عليه وسلم في الصوم -وفي غيره- أكمل الهدْيِ وأعظم تحصيل للمقصود وأسهل على النفوس. وجميع ما صامه رسول اللهصلى الله عليه وسلم -بعد أن فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة- تسعة رمضانات. وفي تلك السنين الخيرة والمباركة والنيرة تعرف الصحابة -رضوان الله عليهم- بواسطة كتاب الله وقول رسولهصلى الله عليه وسلم وفعله على صفة صومه صلى الله عليه وسلموتعلموا أركان الصيام وآدابه ومستحباته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزموا ما عُلِّمُوا وعَلِمُوا ونقلوه بصدق وأمانة للخلف.
وسأبسط القول في هذا كله، إن شاء الله، في محله من القسم الأول من الكتاب.
والقسم الثاني من الكتاب -كما تقدم في الترتيب- يتناول صفة حجتهصلى الله عليه وسلم.
وهذه الحجة يقال لها: حجة الوداع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها ولم يحج بعدها. وسميت حجة الإسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج من المدينة غيرها. وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ؛ ورجح كثير من العلماء والحفاظ هذا القول. وسميت حجة البلاغ لأنه صلى الله عليه وسلم بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا؛ ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه أشد وأحسن وأظهر البيان. فلما أكمل هذا البيان بشعيرة الحج أنزل الله عز وجل عليه وهو واقف بعرفة يوم الجمعة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينًا} (سورة المائدة، الآية: 3).
وتفصيل هذه الحجة -الفريدة في البركة- سيأتي إن شاء الله في محله من هذا الكتاب.
- التفاصيل
- الزيارات: 0
الصفحة 40 من 61